ياسر محمد محمود البشر يكتب….الــذُرة السودانيــة… وغيــاب الرؤيــة الاقتصاديــة!!
*حبا الله أرض السودان بشبه معجزة زراعية لا تتوفر لكثير من بلدان العالم أراضٍ شاسعة ومياه وفيرة ومناخ مثالى جعل من هذه الأرض بيئة نموذجية لإنتاج محصول الذرة بجميع أنواعه وأصنافه إنها مزية إلهية ومقومات طبيعية كان يفترض أن تجعل من السودان سلة غذاء حقيقية للإقليم وأن تتحول حقول الذرة الممتدة على مد البصر إلى شريان حياة يغذى خزينة الدولة بالعملات الصعبة غير أن الواقع المؤلم يشير إلى أن الحكومات المتعاقبة على إدارة البلاد لم تحسن التعامل مع هذه النعمة الممتدة لقد ظلت نظرة الدولة إلى هذا المحصول الاستراتيجى ضيقة وقاصرة حيث تم التعامل مع الكميات الهائلة المنتجة سنوياً بأساليب تقليدية بدائية تفقد المنتج قيمته الاقتصادية المضافة وتجعله عرضة للتلف والهدر بدلاً من أن يكون سفيراً للاقتصاد السوداني فى الأسواق العالمية*.
*إن النظرة الرسمية للذرة لم تتجاوز حتى هذه اللحظة اعتباره مجرد منتج محلي أو سلعة معيشية تُستخدم للأكل والشراب فى بعض ولايات ومناطق السودان هذا القصور الذهنى لدى صانعى القرار أعاق تحويل المحصول من مجرد طعام للبطون إلى سلعة اقتصادية استراتيجية قادرة على إعادة رسم الخارطة المالية للبلاد وتغيير وجه الاقتصاد الوطنى بالكامل ولو نظرنا إلى الموقع الجغرافى والجيوسياسى المتميز للسودان لأدركنا حجم الفرصة الضائعة فالسودان محاط بدول جوار تمثل أسواقاً استهلاكية ضخمة ومستوردة للغذاء مثل دولة جنوب السودان
وأفريقيا الوسطى وتشاد وإثيوبيا وإريتريا هذه الدول ذات الكثافة السكانية والاحتياج الغذائى المستمر كانت كفيلة بأن تجعل السودان أكبر دولة مصدرة لمحصول الذرة فى المنطقة دون منافس*.
*إن آلية التصدير الحالية إن وجدت لا تزال تعتمد على الوسائل التقليدية الكلاسيكية حيث تُعبأ الذرة في جوالات سعة ١٠٠ كيلوجراماً دون معالجة أو تصنيع أو قيمة مضافة إن تصدير المحصول بصورته الخام يفقد البلاد مبالغ طائلة كان يمكن تحصيلها لو تم الاستثمار في صناعات التحويل الغذائى واستخراج النشا والجلوكوز والأعلاف المركزة التى تتطلبها الأسواق الإقليمية والدولية ومع ذلك حتى بهذه الصادرات الخام فإن تنظيم التصدير نحو دول الجوار الإفريقى كان بإمكانه أن يشكل ضخاً متواصلاً ومستداماً للعملات الصعبة فى خزينة بنك السودان المركزى إن تدفق النقد الأجنبى الناجم عن تجارة الذرة كان كفيلاً بدعم قيمة الجنيه السودانى وتقليل العجز فى الميزان التجارى وتمويل واردات البلاد السلعية والخدمية الأخرى*
*إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فى قلة الإنتاج أو عدم جودة التربة بل تكمن فى غياب الرؤية الوطنية الشاملة للاستفادة من المحاصيل الزراعية لا توجد حتى اليوم استراتيجية واضحة المعالم تربط بين سياسات وزارة الزراعة ووزارة التجارة والبنك
المركزى للنهوض بمحصول الذرة وتحويله من شأن زراعى محلى إلى ملف سيادى واقتصادى رفيع المستوى يتطلب الخروج من هذا النفق التقليدى إحداث ثورة فى مفهوم إدارة الموارد تبدأ من توفير التمويل الاصغر والأكبر للمزارعين وإدخال التقانيات الحديثة فى الحصاد والتخزين لمنع التلف وإنشاء الصوامع الحديثة بالقرب من المعابر الحدودية للحد من تكاليف النقل وضمان جودة المنتج المعد للتصدير كما يتوجب على الدولة عقد اتفاقيات تجارية
وتفضيلية مع دول الجوار الإفريقى لفتح المعابر وتسهيل حركة التجارة البينية وتحويل الحدود إلى مناطق حرة لتداول المنتجات الزراعية إن الربط اللوجستى والأمنى لهذه التجارة سيضمن تدفقاً سلساً للمحصول ويقضى على تجارة التهريب التي تستنزف موارد البلاد دون عائد يذكر للخزينة العامة*.
*إن الله قد أدى ما عليه ومنح السودان الأرض والمياه والمناخ ليكون رائداً فى إنتاج الذرة ويبقى الدور على الإرادة السياسية والتخطيط الاقتصادى
الرشيد إن الوقت قد حان ليتوقف المسؤولون عن التعامل مع الذرة كقوت يومى ينتهي أثره عند موائد الطعام والبدء فوراً فى التعامل معه كذهب أبيض وسلعة استراتيجية تقود قاطرة الصادرات وتنعش الاقتصاد الوطنى*.
yassir.mahmoud71@gmail.com



