مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب… الطــرُوْرَة!! 

*فى عمق العامية السودانية تختبئ مفردات مشحونة بالدلالات والتشبيهات البليغة التي تختزل واقعاً بأكمله فى كلمة واحدة ومن بين هذه المفردات تبرز كلمة (الطرورة) وهي ذلك الجزء من جذع الشجرة الضخم في مظهره والهش الخفيف فى جوهره إنه الجذع الذى لا يصلح لبناء سقف ولا يستقيم عموداً لبيت وعاجز عن الصمود أمام الرياح لكنه بفضل خفته الخادعة يطفو دائماً على سطح الماء فلا يغرق أبداً ولا يستفاد منه إلا كعوامة هشة تُربط على أطراف شباك الصيد لتحديد مكانها بيد أن (الطرورة) لم تعد مجرد وصف لقطعة خشب تافهة القيمة في مجالس الصيادين بل تحولت في زماننا هذا إلى إسقاط سياسى وإدارى واجتماعى بامتياز.

لقد استعار الوجدان السودانى هذا اللفظ ليصف به نوعية معينة من المسؤولين الذين يتصدرون المشهد في غفلة من الزمان إنه المسؤول الطرورة ذلك الشخص الذى يملك منصباً ضخماً وهالة برّاقة ولكنه من الداخل فارغ المحتوى أجوف الفكر يطفو على السطح مستفيداً من ركود المياه الآسنة دون أن يقدم نفعاً حقيقياً للناس*.

 

*تظهر هذه (الطرورات) بكثافة في لحظات الانحطاط الإدارى والتردى المؤسسى حيث تصبح الكفاءة والجسارة عبئاً على النظام ويصبح الفراغ والخفة ميزة تؤهل صاحبها للصعود فى هذه البيئات المأزومة يتم تقديم الطرور بدقة وعناية لأنه لا يمثل تهديداً لأحد هو مسؤول جِىء به لملء الفراغ البصرى فقط يرتدى أفخم البدلات ويجلس خلف أضخم المكاتب لكنه في حقيقة الأمر (لا يحل ولا يربط) ولا يملك من أمره شيئاً سوى التوقيع على ما يُملى عليه*.

 

*إن الميزة الأساسية التى تجعل الطرور الإدارى مفضلاً لدى صناع القرار فى عهود التراجع هى أنه سهل الانقياد فهو كجذع الخشب الهش على سطح النهر تحركه أدنى نسمة هواء وتتقاذفه الأمواج يمنة ويسرة دون أي مقاومة لا يملك هذا المسؤول عقيدة مهنية ولا رؤية استراتيجية ولا حتى القدرة على قول (لا) فى وجه الخطأ لأن وجوده في منصبه مرهون برضا من وضعه هناك ولأن خفته تجعله أداة طيعة فى أيدى العابثين بمدخرات الوطن وما أكثر الطرورات فى يومنا هذا! إذ يكفى أن تلفظ نظرة عابرة على خارطة المؤسسات والقطاعات لترى كيف طفحت السطوح بمسؤولين يضجون بالضجيج ويفتقرون للأثر لقد أصبحنا نعيش فى زمن عوامات الشباك حيث يُقدم العاجز ويُقصى القادر وحيث تُقاس قيمة المسؤول بمدى خفته وقابليته للتحريك لا بمدى ثقله المعرفى أو أمانته الأخلاقية هذا التكاثر المخيف للطرورات بات يهدد بتآكل ما تبقى من هيكل الدولة ومؤسساتها*.

 

*إن خطورة استمرار هؤلاء فى مناصبهم لا تكمن فقط فى عجزهم عن الإنتاج بل فى إغراقهم للمؤسسات بقرارات هشة تشبه طبيعتهم فالطرور لا يستطيع أن يتحمل ثقل الأزمات وعند أول هزة حقيقية أو عاصفة إدارية يتخلى عن مسؤولياته ليحافظ على طفوه الشخصى فوق السطح تاركاً السفينة بركابها تواجه الغرق إنهم عبء ثقيل بمظهرهم خفيف بجهدهم كارثى بأثرهم على حاضر البلاد ومستقبلها*.

 

*إن المخرج من هذا النفق المظلم يبدأ بوعى جماعى يرفض سيادة الخفة ويُعيد الاعتبار للثقل ثقل الكفاءة والأمانة والشجاعة الإدارية يجب أن ندرك أن بناء الأوطان لا يتم بعوامات الصيد التي تطفو بلا هدف بل بالجذور القوية والسيقان الصلبة التى تضرب فى عمق الأرض وتتحمل السقوف لقد حان الوقت لنفض هذه الطرورات عن كاهل المؤسسات وإعادة هؤلاء الفاشلين إلى حجمهم الطبيعى مجرد علامات خاوية على أطراف الشباك لذلك وجب الحذر ثم الحذر من (الطرورات والعوقات والدلاهات)*.

 

 

yassir. mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى