الجمارك بين الإيراد والتضخم… قراءة فنية في رفع الدولار الجمركي وانعكاساته على الاقتصاد السوداني

الدكتور /محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
عندما ترفع الدولة سعر “الدولار الجمركي” من 2827.61 جنيه إلى 3222.8 جنيه بنسبة 14%، فإنها لا ترفع رقماً في نظام محاسبي. هي ترفع تكلفة كل شيء يدخل السودان.
من كيس الدقيق إلى إبرة الدواء. من الوقود إلى مدخلات المصانع. القرار الذي أكد متعاملون أنه دخل حيز التنفيذ فعلياً مع تحديث السعر الجديد في أنظمة الجمارك يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث واصل الدولار في السوق الموازية ارتفاعه متجاوزاً حاجز الأربعة آلاف جنيه لأول مرة، وتتصاعد المخاوف من انعكاس مباشر على أسعار السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج باعتبار أن الدولار الجمركي يعد أحد المحددات الرئيسية لتكلفة الواردات.
التحليل الفني يكشف أن الزيادة بنسبة 14% تعني أن المستورد سيدفع 395.19 جنيهاً إضافية عن كل دولار جمركي واحد.
إذا استورد تاجر بضاعة قيمتها 100 ألف دولار، فإن عبء الجمارك ارتفع عليه مباشرة بمقدار 39.5 مليون جنيه. هذا الرقم لا يمتصه المستورد بل يتم ترحيله بالكامل للمستهلك النهائي عبر سلسلة الإمداد، وهو ما يفسر وصف الغرفة القومية للمستوردين للزيادة الأخيرة بأنها “كارثية” ومحذرة من تفاقم الضغوط المعيشية وتدهور قيمة الجنيه السوداني.
الأرقام الرسمية توضح حجم الاختلال التراكمي. تم تعديل الدولار الجمركي تسع مرات منذ يناير 2025م وحتى أبريل 2026م بزيادة بلغت 61%.
بينما ارتفع منذ تحريره في يونيو 2021م أكثر من 11 ألف بالمئة. وفي خطوة سابقة خلال يناير 2025م ارتفعت التعرفة من 1700 جنيه إلى 2000م جنيه وهي الزيادة الثانية خلال شهر واحد فقط. في المقابل لم يرتفع الإنتاج المحلي ولا الصادرات بنفس الوتيرة، وتشير المؤشرات إلى ارتفاع حجم الواردات مقارنة بالصادرات ما يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الكلي.
دوافع القرار إيرادية في جوهرها. يرى خبراء الاقتصاد أن قرار الحكومة بزيادة التعرفة الجمركية ليس هدفه تعزيز الإنتاج المحلي، بل يهدف إلى سد العجز في الموازنة العامة وتمويل القطاعات العسكرية والأمنية بالإضافة إلى دفع الرواتب.
الحكومة من جانبها ربطت القرار بحزمة إجراءات لتنظيم الاستيراد تهدف إلى تحقيق توازن في الميزان التجاري وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. لكن رئيس الغرفة القومية للمستوردين الصادق جلال الدين صالح أكد أن الأعباء الجمركية تُعد ضرائب غير مباشرة يتحملها المواطن في نهاية المطاف، وأن استمرار هذه الزيادات يفاقم التضخم ويزيد من نشاط الاقتصاد الموازي والتهريب. التجربة الدولية تؤكد أن استخدام الدولار الجمركي كأداة جباية له نهاية. مصر رفعت الدولار الجمركي 3 مرات فقط خلال 2022م ثم ثبتته، لأن الاستمرار قاد لتضخم 35%.
تركيا لجأت للتثبيت وإعفاءات السلع الاستراتيجية بعد أن وجدت أن كل زيادة 10% في الجمارك ترفع التضخم 1.8% خلال 60 يوماً. الفرق أن الدولتين ربطتا الجمارك بخطة إنتاج، وهو ما لم يحدث بعد في السودان.
الأثر الاقتصادي يتوزع على ثلاثة مستويات متداخلة. المستوى الأول سلعي مباشر. شهدت الأسواق موجة جديدة من ارتفاع الأسعار عقب زيادات سابقة للدولار الجمركي من 2167 إلى 2400 جنيه، وانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع المستوردة خصوصاً السلع الأساسية مثل السكر والطحين والزيوت والأرز. المستوى الثاني هو تكلفة النقل. شهدت أسعار الوقود زيادات ملحوظة يُتوقع أن تُحدث تأثيرات إضافية على أسعار مختلف السلع والخدمات لا سيما في ظل الاعتماد الكبير على النقل في سلاسل الإمداد. المستوى الثالث سلوكي. قال الخبير الاقتصادي د. محمد الناير إن سلوك القطاع الخاص الذي درج على تحميل كل زيادات التكلفة للمستهلك النهائي ضاعف من وقع القرار على أسعار السلع، حيث ارتفعت أسعار بعض المنتجات بأربعة إلى خمسة أضعاف.
المستقبل أمام السودان حتى نهاية 2026م يحتمل ثلاثة مسارات. المسار الأول هو مسار الإيراد قصير الأجل والتضخم طويل الأجل. يتحقق إذا استمرت الحكومة في رفع الدولار الجمركي لمواكبة السوق الموازي. الأثر المقاس هو ارتفاع التضخم الشهري بمعدل إضافي يتراوح بين 3% إلى 4%، وتراجع القوة الشرائية للأسر بنسبة لا تقل عن 12% خلال 6 أشهر، في وقت تنفق فيه غالبية الأسر أكثر من 60% من دخلها على الغذاء. الإيراد الحكومي قد يرتفع وقتياً لكن قاعدته الضريبية ستتآكل مع انكماش الاستهلاك.
المسار الثاني هو مسار التهريب والاقتصاد الموازي. يتحقق مع اتساع الفجوة بين الدولار الجمركي عند 3222.8 جنيه والدولار الموازي المتجاوز 4000 جنيه. الأثر المقاس هو هجرة 25% إلى 30% من الواردات إلى قنوات التهريب والمعابر غير الرسمية، وتراجع إيرادات الجمارك الرسمية بنسبة 15% رغم رفع السعر، مع ازدهار شبكات لا تدفع ضرائب ولا تخضع للرقابة. هنا تخسر الدولة مرتين: إيراداً وأمناً.
المسار الثالث هو مسار الركود المستورد. يتحقق إذا تراكمت الزيادات الجمركية مع ارتفاع تكلفة التمويل ونقص النقد الأجنبي. الأثر المقاس هو انكماش الواردات بنسبة 18%، ونقص حاد في مدخلات الإنتاج والدواء، وإغلاق نسبة مقدرة من المصانع الصغيرة التي لا تستطيع تمويل الاستيراد، ما يولد بطالة جديدة ويزيد الضغط على المالية العامة.
لمعالجة الآثار دون إلغاء الهدف الإيرادي تقتضي المنهجية العلمية توزيع المسؤولية. وزارة المالية مطالبة خلال 30 يوماً بإعلان سقف زمني لمراجعات الدولار الجمركي بحيث لا تتم أكثر من مرتين سنوياً، وتحديد قائمة سلع أساسية معفاة جزئياً تشمل الدواء والقمح ومدخلات الزراعة. بنك السودان المركزي مطالب بربط سعر الدولار الجمركي بمتوسط سعر الصرف الرسمي لمدة 90 يوماً بدلاً من اللحاق بالسوق الموازي يومياً لتقليل التذبذب. وزارة التجارة والنيابة العامة مطالبة بإطلاق حملات رقابة أسبوعية على الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية وتحميل المستهلك أكثر من الزيادة الفعلية. عليه نقترح إطلاق “مؤشر العبء الجمركي” الشهري الذي يقيس نسبة الزيادة في أسعار 20 سلعة أساسية مقابل نسبة زيادة الدولار الجمركي لكشف الفجوة بين التكلفة والسعر.
الخلاصة المنهجية أن رفع الدولار الجمركي ليس سياسة اقتصادية مكتملة. هو مسكن مالي في جسد اقتصاد ينزف. هو اعتراف بأن الدولة عجزت عن زيادة الإنتاج فاختارت زيادة الجباية، وبأن الحرب استنزفت الموازنة فأصبح المواطن الممول الأخير. المشكلة أن لهذه الأداة سقفاً. كل زيادة ترفع الإيراد اليوم وتقتل الاستهلاك غداً. كل زيادة تغلق مصنعاً وتفتح باب تهريب.
وكل زيادة تثبت في أذهان الناس أن الجنيه لا قيمة له وأن الاستيراد هو الخطر.
لا يمكن تحقيق استقرار سعري بسياسات جمركية في اقتصاد يعاني عجزاً إنتاجياً ونزاعاً مسلحاً وانهياراً نقدياً. استقرار الأسعار يبدأ من المزرعة والمصنع والميناء، لا منفذ الجمارك.
وإذا لم يرافق قرار 3222.8 جنيه خطة إنتاج وتعاف مالي وإنهاء للنزاع، فإنه سيتحول خلال 90 يوماً من قرار إيرادي إلى شرارة موجة غلاء جديدة، وسيكون المواطن هو من يدفع الفاتورة كاملة. والزمن الآن لا يحتمل التأجيل.


