ياسر أبو ريدة يكتب… المشاريع الزراعية بأم القرى… بين انتظار الإنصاف واختبار الدولة!!

في أم القرى، لم تعد القضية مجرد مشاريع زراعية، ولم يعد الخلاف مجرد نزاع على الأرض. إنها قضية ثقة في مؤسسات الدولة، واختبار حقيقي لقدرة القانون على حماية الحقوق، حين تتشابك المصالح وتتعقد الملفات.
سنوات تمضي، والملف ينتقل من لجنة إلى أخرى، ومن اجتماع إلى آخر، بينما يظل السؤال ثابتًا لا يتغير: لماذا تأخر الحل؟ وما الذي يجعل هذا الملف عصيًا على الإغلاق حتى اليوم؟
المزارعون لا يطالبون بالمستحيل، ولا يدعون إلى إقصاء أحد، ولا يعترضون على أن ينال كل مستحق حقه. لكنهم يتمسكون بمطلب واحد لا يحتمل التأويل: مراجعة عادلة وشفافة لكل الإجراءات والكشوفات والقرارات، حتى يصل الحق إلى أصحابه وفق القانون.
إن أخطر ما يواجه أي قضية عامة ليس الخلاف، وإنما غياب اليقين. فكلما تأخر الحسم، اتسعت دائرة الشك، وارتفعت أصوات التأويل، وتآكلت الثقة في المؤسسات، وهي خسارة لا تعوضها البيانات ولا تعالجها الوعود.
هذا الملف لم يعد يحتمل المجاملة، ولا أنصاف الحلول، ولا إدارة الأزمة بردود الأفعال. فالحقوق لا تُحفظ بالتمنيات، وإنما بالقرارات الواضحة، والإجراءات العادلة، والشفافية الكاملة.
واليوم تقف حكومة ولاية الجزيرة أمام اختبار لا يتعلق بالأرض وحدها، بل يتعلق بثقة المواطنين في مؤسساتهم. فالدولة القوية لا تخشى المراجعة، ولا تتردد في تصحيح الأخطاء متى ظهرت، لأن العدالة لا تنتقص من هيبتها، بل تزيدها احترامًا.
إن مراجعة الكشوفات والإجراءات ليست ترفًا إداريًا، وإنما ضرورة لحماية السلم الاجتماعي، وإغلاق أبواب الجدل، وإعادة الطمأنينة إلى أصحاب الحقوق. فكل قرار يصدر بعيدًا عن الشفافية يفتح بابًا جديدًا للأسئلة، بينما كل خطوة تقوم على القانون تغلق بابًا للفتنة.
أم القرى ليست مجرد رقعة زراعية، بل إحدى أهم مناطق الإنتاج، واستقرارها يعني استقرار آلاف الأسر التي ترتبط بالأرض معاشًا ومستقبلًا. ولذلك فإن التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون بمستوى مسؤوليته الوطنية، لا باعتباره نزاعًا عابرًا يمكن تأجيله.
إن المطلوب اليوم ليس لجنة جديدة، ولا بيانًا جديدًا، بل قرار شجاع يعيد ترتيب الملف من بدايته، ويخضع جميع الإجراءات للمراجعة، ويجعل القانون هو الفيصل الوحيد بين الجميع.
فالعدالة لا تخشى الضوء، والشفافية لا تهدد الدولة، بل تحميها. أما ترك الملفات معلقة، فهو ما يمنح الشائعات مساحة، ويمنح الاحتقان فرصة للنمو.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابته كل أصحاب الحقوق:
هل تتحول قضية المشاريع الزراعية بأم القرى إلى نموذج للعدالة وسيادة القانون… أم تستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها؟
الإجابة لن تصنعها الخطب، ولن تكتبها التصريحات، بل ستصنعها القرارات التي تعيد الثقة إلى الناس، وتؤكد أن القانون هو الحكم، وأن حقوق المواطنين لا تُدار إلا بالعدل والشفافية.



