العسجد ومحول المعاملات: بين وعد الشمولية وخطر استئجار السيادة… السودان أمام اختبار الأمن القومي الرقمي

الدكتور / محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
أعلن بنك السودان المركزي عن تدشين أول رخصة لمحول معاملات مالية ومنصة مدفوعات رقمية تمنح لشركة خاصة هي العسجد للحلول الذكية والرقمية إيه إس دي سمارت.
وتسعى المنصة إلى ربط جميع البنوك عبر نظام موحد يتيح التحويلات اللحظية وسداد الفواتير وتقديم الخدمات الحكومية وإصدار البطاقات المصرفية بسرعة وأمان وشمولية أوسع. وفي الظاهر هو إعلان تقني يبشر بعصر رقمي جديد. وفي الباطن هو قرار سيادي بامتياز. لأن من يمسك بمحول المعاملات يمسك بشريان الدولة.
ومن يملك البيانات اللحظية لملايين العملاء يملك مفاتيح الاقتصاد والأمن والغذاء والدواء. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس تقنياً، بل سيادي. كيف انتقلت إدارة البنية التحتية المصرفية من شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS الذراع التقني الرسمي لبنك السودان منذ عام 1999م إلى شركة خاصة تديرها السيدة عسجد؟ ومن وراء العسجد؟ وما هي الضمانات التي تمنع تحول المحول من بوابة شمول إلى ثغرة انهيار؟
إننا هنا لا نتحدث عن تطبيق هاتف. نتحدث عن معادلة الصفر الكبير التي يعيشها السودان اليوم بإيراد سيادي لا يتجاوز مائة وثمانين مليون دولار سنوياً مقابل كلفة تشغيل تبلغ أربعة مليارات وستمائة مليون دولار. أي أن أي نزيف رقمي اليوم يعني سقوط الدولة بلا طلقة واحدة.
عندما نضع الخبر في ميزان الأرقام تتكشف خطورة اللحظة. بحسب نشرة بنك السودان المركزي لشهر مايو 2026م بلغت قيمة المعاملات عبر المحافظ الإلكترونية مائتين وستة وستين مليون دولار شهرياً أي ثلاثة مليارات ومائتي مليون دولار سنوياً. وهذا المبلغ يعادل ثمانية عشر ضعف الإيراد السيادي للدولة. وبالتالي فإن تسليم إدارة هذا التدفق إلى جهة خاصة يعني عملياً تسليم الخزينة السيادية.
وفي المقابل السعر الرسمي للدولار ستمائة وعشرون جنيهاً بينما السعر الموازي تجاوز *خمسة آلاف جنيه*. أي أن المحول الجديد إذا لم يخضع لسيطرة بنك السودان الكاملة فسيصبح أداة لتسعير السوق الموازي من داخل المنصة نفسها. ويزيد المشهد تعقيداً أن ديوان الخدمة المدنية رصد هجرة أربعة آلاف ومائتي كادر مالي ومحاسبي خلال عامين.
وهذا يعني أن الكفاءة المؤسية لبناء بديل وطني ضعيفة، مما يجعلنا نرهن المحول لشركة خاصة تحت ذريعة العجز الفني.
والسابقة العالمية تقول إن شركة أمازون أوقفت برنامج إقراضها الداخلي بقيمة مائة وأربعين مليار دولار فجأة في 2024م. فماذا لو توقفت العسجد أو شريكها المصري بنك إن بوكس فجأة؟ من يدفع رواتب الجيش والشرطة والدواء؟
الخبر يشير إلى أن شركة العسجد وقعت في فبراير الماضي اتفاق تعاون استراتيجي في القاهرة مع شركة مصرية تدعى بنك إن بوكس للحلول الرقمية والذكية بهدف تطوير منصة دفع موحدة للمصارف السودانية تعتمد على محول مالي مركزي.
وهنا تظهر الصورة الكاملة. المحول لا يمول محلياً، بل يمول عبر شبكة إقليمية مرتبطة بصناديق تكنولوجيا مالية عالمية. وهذه الصناديق لا تبحث عن خدمة، بل تبحث عن السيطرة على البنية التحتية المالية للدول الهشة. والخطورة أن بنك إن بوكس سيكون شريكاً تقنياً في بناء محول مركزي سوداني. وهذا يعني أن الكود المصدري والخادم والنسخ الاحتياطي قد تكون خارج السودان. ومن يملك الخادم يملك الزر. ومن يملك الزر يستطيع تجميد حساب وزارة أو بنك أو ولاية بضغطة واحدة.
والسؤال المشروع ما هي المعايير التي اعتمدها بنك السودان لمنح الرخصة؟ وهل الباب مفتوح لكل شركة؟ وإذا كانت شركة حكومية مثل EBS عجزت فلماذا لا نعالج عجزها بدل استبدالها بشركة خاصة هدفها الربح؟
إن الخطر لا يقف عند الاقتصاد، بل يمتد إلى صميم الأمن القومي في خمسة مسارات متداخلة. المسار الأول هو نزيف الخزينة السيادية. فالمحول الخاص سيكون مطلعاً كاملاً على حركة الأموال بين الحسابات بما فيها تطبيق بنك. وإذا لم يفرض خصم ضريبي آلي بنسبة اثنين بالمائة على كل تحويل فوق خمسين ألف جنيه فستهرب ثلاثة مليارات ومائتا مليون دولار سنوياً من وعاء الجباية.
وهذا يعني موت الدولة فعلياً. المسار الثاني هو التجس المالي الاستراتيجي. فالبيانات اللحظية هي النفط الجديد. من يملك بيانات مدفوعات القوات النظامية والمستشفيات والجامعات والأسواق يملك خريطة الحرب والسلم.
وإذا خزنت هذه البيانات في سحابة خارج السودان فهي تصبح هدفاً للتجس الاقتصادي والابتزاز السياسي. المسار الثالث هو الابتزاز المنصاتي. فالمحول الخاص يمكنه أن يصبح دولة داخل الدولة. يستطيع قطع سيولة قطاع بأكمله أو منطقة جغرافية أو بنك بعينه. وهذه ليست نظرية. لقد حدثت مع منصات عالمية. فما بالك في دولة الصفر الكبير؟ المسار الرابع هو الهشاشة السيبرانية. فركز كل المدفوعات في جهة واحدة خاصة يجعلها هدفاً واحداً للهجمات السيبرانية. وتسريب بيانات ملايين العملاء يعني انهيار الثقة في النظام المصرفي كله. والسؤال هل قدمت العسجد ضمانات فنية قانونية تعادل حجم الخطر؟ المسار الخامس هو الاحتكار التقني.
فإذا بنت العسجد نظاماً مستقلاً بتقنيات خاصة فسيصبح استبداله مستقبلاً مستحيلاً إلا بتكاليف باهظة أو توقف كامل للخدمة. وهذا هو تعريف الرهن السيادي التقني.
يمكن اختزال المشهد في معادلة واحدة. المجهول الأول هو الرقم الصادم. ثلاثة مليارات ومائتا مليون دولار تمر عبر محول خاص لا تراه الدولة يساوي فقدان السيادة الكامل. المجهول الثاني هو موضع الكسر. والكسر ليس في الفكرة بل في أن السودان منح الرخصة قبل أن يصدر قانون حماية البيانات السيادية وقبل أن ينشئ غرفة عمليات الأمن الاقتصادي الرقمي وقبل أن يحدد مكان استضافة الخوادم. المجهول الثالث هو القرار في تسعين يوماً. والقرار هو تأميم المحول سيادياً فوراً. إما أن تكون العسجد مشغلاً تحت إدارة بنك السودان الكاملة أو لا تكون. لا محول بلا سيادة ولا سيادة بلا محول وطني.
أمام السودان اليوم ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها. السيناريو الأول هو استئجار السيادة باستمرار العسجد كمشغل وحيد خاص. والنتيجة شمولية مؤقتة وانهيار سيادي لاحق. لأن المنصة ستتحكم في التدفق والبيانات والأسعار. واحتمال حدوثه أربعون بالمائة. السيناريو الثاني هو الرفض الفوضوي بإلغاء الرخصة بلا بديل.
والنتيجة هجرة المواطنين إلى محافظ أجنبية وانهيار التجارة الرقمية. واحتمال حدوثه خمسة وثلاثون بالمائة. السيناريو الثالث هو التأميم الذكي بتحويل العسجد إلى شركة تشغيل من الباطن تحت مظلة EBS وبنك السودان. مع استضافة البيانات داخل السودان فقط وخصم ضريبي آلي وربط بغرفة الأمن الاقتصادي. والنتيجة شمولية مع سيادة. واحتمال حدوثه خمسة وعشرون بالمائة.
لذلك فإن المطلوب اليوم ليس بياناً إعلامياً بل قراراً سيادياً. أولاً يصدر بنك السودان المركزي قراراً فورياً بنشر معايير منح الرخصة كاملة للرأي العام. لأن الشفافية هي أول ضمانات السيادة.
ثانياً يصدر مجلس السيادة مرسوماً يصنف المحول المالي كبنية تحتية حيوية للأمن القومي ويحظر استضافة بياناته خارج السودان. ثالثاً تعود EBS كمشغل وطني رئيسي والعسجد كشريك تشغيلي فقط بعقد محدد المدة وسقف ربح ومراقبة فنية مباشرة. رابعاً يفرض خصم آلي بنسبة اثنين بالمائة على كل تحويل فوق خمسين ألف جنيه عبر المحول لصالح الخزينة العامة. خامساً تنشأ غرفة عمليات الأمن الاقتصادي الرقمي ترتبط بالمحول لحظياً وترفع تقريراً أسبوعياً لمجلس السيادة. سادساً يصدر النائب العام قرار تجريم التحويل خارج المحول الوطني فوق مائة ألف جنيه باعتباره تهديداً للأمن القومي.
إن رخصة العسجد ليست ورقة تشغيل. هي عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن. إما أن تكون هذه الرخصة بوابة الشمول المالي الحقي وإما أن تكون شهادة وفاة السيادة المالية. السودان لا يحتاج إلى محول أسرع فقط.
يحتاج إلى محول أملك. محول لا يسأل من وراءه بل يسأل لمن يعمل. يعمل للخزينة العامة لا للربح الخاص. يعمل للأمن القومي لا للبيانات الأجنبية.
يعمل للجنيه السوداني لا للدولار الموازي. قاعدة المقال الذهبية تقول إن من يملك المحول لا يملك الخدمة فقط، بل يملك القرار. ومن يملك القرار في زمن الصفر الكبير يملك مصير الوطن. إن التاريخ لن يسأل هل كانت المنصة سريعة. سيسأل من كان يمسك بزرها يوم انهار الجنيه.



