مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… النقابات والإسناد المدني: الخيار التشريعي الولائي!!

حين تتكسر الهياكل المؤسسية التقليدية على صخرة الاستثنائيات المعقدة، لا تملك المجتمعات الحية رفاهية الانتظار أو الاستسلام للفراغ، بل تتداعى بصورة ديناميكية لإعادة هندسة مشروعيّتها من جديد. إن تجربة الفراغ التشريعي على المستوى الولائي في السودان ليست مجرد أزمة إدارية عابرة.

بل هي امتحان حقيقي لمدى قدرة النخب والمهنيين على الابتكار المؤسسي واستعادة زمام المبادرة. ومن هنا، يكتسب الطرح القاضي باعتماد النقابات والإسناد المدني كجهاز تشريعي ولائي مؤقت منطقاً سديداً ووجاهة استراتيجية عميقة، ليس فقط من باب ملء الفراغ الخدمي، بل باعتباره تحولاً نوعياً نحو “الشرعية الوظيفية” التي تعيد السلطة والرقابة إلى منابتها الأصيلة في القواعد الجماهيرية الحية لحين اكتمال بناء المؤسسات التشريعية الدائمة.

إن الشرعية في أوقات التحولات الوطنية الكبرى لا تُستمد من التعيينات الفوقية أو الأشكال البروتوكولية الصماء، بل تتدفق مباشرة من الأجسام التي تدير عصب الحياة وتلامس الوجدان اليومي للمواطن.

فالنقابات والكيانات المدنية، بما تضمّه من معلمين وأطباء ومزارعين وعمال ومهنيين، تشكل الترميز الاجتماعي الأصدق للسلطة والشعبية النابضة؛ فهي ليست مجرد أدوات مطلبية وضغط احتجاجي كما أُريد لها سابقاً، بل هي الملاذات التشريعية والرقابية الكفيلة بترميم الفراغ الهيكلي وتحويل الجهد الأهلي إلى صلب صناعة القرار. وعندما تلتقي قوة التنظيم النقابي بحيوية الإسناد المدني، نكون أمام تجربة ملهمة تمارس “التشريع الشعبي المباشر”، وتضع كابحاً متيناً أمام جموح الفردية في القرار التنفيذي الولائي.

إن تطبيق هذا الطرح لا يتطلب انتظار معجزات فوقية أو تعقيدات دستورية، بل يبدأ من تقديم **ولاية الجزيرة** كأنموذج متفرد ورائد للتعافي الوطني، بما تمتلكه من إرث نقابي عريق وزخم مدني متماسك قادر على تحويل الفكرة إلى واقع ملموس عبر “ميثاق توافقي ولائي”. يُشكل بموجب هذا الميثاق مجلس استشاري وتشريعي استثنائي يُعنى بتشجيع الإنتاج، وإقرار الموازنات الخدمية، وضمان العدالة في توزيع الموارد، ومساندة الجهاز التنفيذي في الميدان. إن إطلاق هذه المبادرة من ولاية الجزيرة يُشكل انتقالة تاريخية من مفهوم “الاحتجاج” إلى مفهوم “المرونة المؤسسية والرقابة التشاركية”، لتصبح الولاية مشعلاً يلهم بقية الولايات.

وبطبيعة الحال، لكي يحافظ هذا النموذج المبتكر على بريقه وتأثيره النخبوي والجماهيري، يجب أن يرتكز على التجرد التام من الاستقطابات الحزبية الضيقة، ليبقى صرحاً مهنياً وطنياً يعبر عن المصلحة العامة، وجسراً انتقالياً متيناً يضمن استقرار الدولة والمجتمع لحين اكتمال البناء المؤسسي الكلي. إنها فلسفة المبادرة التي ترمم الواقع ولا تنتظر المعجزات، وتصنع من التماسك المدني والنقابي منصة حقيقية للريادة والتعافي الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى