مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… اغتيال الشخصيات الفعّالة: هل هو مرض أم حسد؟

حين يبرز اسم في محيطه، وحين ترتفع كلمة في مجلس، وحين تنجح فكرة في أن تغيّر واقعاً، تبدأ من حيث لا نحتسب حرب صامتة لا تُطلق فيها رصاصة ولا يُشهر فيها سيف. إنها حرب “اغتيال الشخصيات الفعّالة”، تلك التي تستهدف سمعة الإنسان لا جسده، وتستهدف قيمته لا ماله، وتستهدف أثره لا وجوده.

 

وللسؤال القديم المتجدد: أهو مرضٌ ينهش النفوس؟ أم هو حسدٌ يتقطر من العيون؟

 

1. ما معنى الاغتيال هنا؟

 

الاغتيال اللغوي ليس قتلاً بالمعنى الحرفي. هو عملية ممنهجة لإسقاط الرموز عبر التشويه والإشاعة والاختزال والتأطير. يُؤخذ النجاح فيُفسّر على أنه حظ، وتُؤخذ المبادرة فيُقال عنها تَسلّق، وتُؤخذ الجرأة فيُوصَم صاحبها بالتهوّر. الهدف واحد: أن تُفرغ الشخصية الفعّالة من رصيدها المعنوي، فتخسر جمهورها، فيخسر المجتمع بوصلة من بوصلاته.

 

والشخصيات الفعّالة هي تلك التي تملك ثلاثاً: رؤية، وحركة، وأثراً. هي التي لا تشكو الظلام بل تشعل شمعة. لذلك كانت هدفاً، لأن وجودها يفضح الخمول، ونجاحها يكشف تقاعس الآخرين.

 

2. إذا كان مرضاً… فما أعراضه؟

 

المرض النفسي والاجتماعي له ملامح. وأعراض “متلازمة اغتيال الآخرين” ظاهرة لمن تأمل:

 

– عقدة المقارنة: لا يستطيع المريض أن يقيس نفسه بمعيار ذاتي، بل لا بد أن يقيس نفسه بالآخر. فإذا تفوق الآخر، انهار ميزانه الداخلي.

– هشاشة الإنجاز: من لم يبنِ لنفسه صرحاً، سهل عليه أن يهدم صرح غيره، لأن الهدم لا يحتاج إلى أساس.

– إدمان التعليق المريض لا ينتج، ولكنه بارع في التعليق على إنتاج الناس. يجد لذة في اصطياد الزلات، لأنها تمنحه شعوراً زائفاً بالتفوق.

– العدوى الجماعية المرض مُعدٍ. يبدأ بهمسة في مجلس، ثم يتحول إلى سردية يرددها الجمع بلا دليل.

 

هذا مرض لأنه يعطل صاحبه قبل أن يعطل غيره. فالذي يقضي عمره في تتبع عثرات الناجحين، لا يملك وقتاً ليصبح ناجحاً.

 

3. وإذا كان حسداً… فما وقوده؟

 

والحسد في لغة العرب تمني زوال النعمة. وهو أقدم من المقص والمشرط. وقد ذكره الله في كتابه فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي: أيستكثرون على الناس ما أعطاهم الله من علم ومال وجاه؟

 

وقود الحسد ثلاثة:

– رؤية النعمة لا يحسد الناس على ما لا يرونه. ظهور الشخصية الفعّالة على المنصات وفي الميدان يجعل النعمة مرئية، فيشتعل الحسد.

– الإحساس بالاستحقاق “لماذا هو وليس أنا؟” هذا السؤال يقتل صاحبه. لأنه يقوم على وهم أن الدنيا تُوزع بالتساوي لا بالاجتهاد.

– ضعف اليقين من آمن أن الأرزاق مقسومة، والمواهب متفاوتة، والأدوار متكاملة، قلّ حسده.

 

وقال ﷺ: “إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب”. فالحاسد يحرق نفسه قبل أن يحرق غيره.

 

4. صور الاغتيال في ميزان الشرع

 

إن أخطر أدوات الاغتيال هي الكلمة. وقد حذرنا الله منها: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}. شبه الغيبة بأكل لحم الميت، لما فيها من انتهاك للحرمة بعد أن عجز المغتاب عن المواجهة.

 

ونهى النبي ﷺ عنها فقال: “أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟” قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: “ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ” وهذا هو التعريف الدقيق لاغتيال الشخصية.

 

كما حذر من نقل الكلام بلا تثبت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. وكم من قامة سقطت بسبب “نبأ” نقله فاسق.

 

وحذر ﷺ من تتبع العورات فقال: “يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته”

 

5. لماذا الشخصيات الفعّالة تحديداً؟

 

لأنها مرايا. الناجح مرآة تعكس للآخرين حجمهم الحقيقي. والفاعل مرآة تكشف زيف الشعارات. لذلك يفضل كثيرون كسر المرآة على أن يصلحوا صورتهم فيها.

 

كما أن الفعّالين يصنعون معايير جديدة. ومن يصنع المعيار يصبح خصماً لكل من كان مرتاحاً في المعايير القديمة. فيهاجمونه لا لأنه مخطئ، بل لأنه مختلف.

 

ولكن البشرى أن كيد الكائدين لا يضر أهل الحق: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}.

 

6. نقطة ضوء: كيف نواجه هذا؟

 

1. للشخصية الفعّالة: لا تبرر كثيراً، ولا تلتفت كثيراً. الشجرة المثمرة تُرمى بالحجارة. اجعل ردك هو إنجاز جديد. واعلم أن “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه”

2. للمجتمع علينا أن نربي أنفسنا على “سلامة الصدر”. سُئل النبي ﷺ: أي الناس أفضل؟ قال: “كل مخموم القلب، صدوق اللسان” قيل: ما مخموم القلب؟ قال: “هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد”.

3. للحماية استعذ بالله من شر الحاسد: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.

السؤال

 

أهو مرض؟ نعم، حين يصبح سلوكاً قهرياً يدمر صاحبه.

أهو حسد؟ نعم، حين يكون سببه تمني زوال ما عندك.

 

لكنه في الحالتين دليل على أنك مؤثر. فالسفينة الراسية لا يقذفها أحد بالحجارة، والساكن لا يحسده أحد.

 

قال الحسن البصري: “ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي تصير إلى الفناء؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر يقود إلى النار؟”

 

“نقطة ضوء” تقول لك: لا تنتظر أن يكفّوا عن الاغتيال، انتظر أن تكفّ أنت عن الالتفات. أضئ، وابنِ، وأثّر. ففي النهاية لا يبقى إلا الضوء، ولا يمحو النور ظلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى