(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… (بين الأمس واليوم) !!

نعيد الذكريات لا بكاءً ولا نحيباً، ولا استجداءً لعطف أحد، بل نعيدها لتكون حجةً على من يريد اليوم أن يبتزنا في أرضنا، ويساومنا على عودتنا، ويحسب أننا نسينا ما جرى.
اذكروا حين كنا مطاردين، لا نسمع في الليل إلا أزيز الرصاص، ولا نرى في النهار إلا سحب الدخان. كنا نُطرد من ديارنا كما يُطرد الغريب، ونُساق من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، نحمل أطفالنا على ظهورنا، ونحمل شيوخنا على أكتافنا، لا نعرف إلى أين نمضي. كان الوطن أمامنا مسلوباً، وخلفنا محروقاً.
وصدق فينا قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]
كنا نازحين، وما أقسى هذه الكلمة حين تكون حقيقة لا خبراً. كنا بلا مأوى يستر عورة الليل، وبلا ماء يغسل عنا غبار الطريق، وبلا كهرباء تضيء لصغارنا عتمة الخوف، وبلا علاج يوقف نزيف جرح، وبلا تعليم يوقف نزيف جهلٍ أرادوا فرضه علينا. افترشنا الأرض والتحفنا السماء، وتقاسمنا كسرة الخبز اليابسة، وشربة الماء العكرة، في مراكز الإيواء والمدارس المهجورة، ننام وعيوننا مفتوحة، نحرس بقية كرامتنا.
ويا لوجع الذاكرة حين نتذكر ما ادخرناه. عمرٌ كامل من الشقاء، جنيه فوق جنيه، ولبنة فوق لبنة، وعرق جبين سال في الحر وأيادي تجمدت من البرد. بنينا بيتاً صغيراً ليسترنا، واشترينا ذهباً قليلاً ليومٍ أسود، وجمعنا متاعاً يحفظ ماء الوجه. فجاء من جاء، فقلعه عنوة واقتداراً. كُسرت خزائننا بأعقاب البنادق، وخُلعت أبوابنا بالأرجل، وسُلبت حلي نسائنا من أعناقهن وهن يصرخن، وانتُزعت أجهزتنا وأثاثنا أمام أعيننا، ومن فتح فمه قُتل. لم تكن سرقة، كانت انتزاع روح من جسد.
قالوا لنا يومها ساخرين: لن تعودوا أبداً، انسوا الخرطوم، انسوا أم درمان، انسوا الجزيرة ودارفور، هذه بيوتنا الآن.
فصبرنا، وما كان صبرنا ضعفاً، بل كان يقيناً بوعد الله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]
واليوم، نحمد الله أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، حمداً يليق بجلاله، ثم نحمد بفضل الله سواعد قواتنا الباسلة، قوات الشعب المسلحة والقوات المساندة لها، التي لم تنم ولم تهن، التي عبرت الجسور تحت القصف، ودخلت الأزقة المفخخة، وقاتلت رجلاً لرجل، وبيتاً لبيت، حتى طهرت الأرض وعاد الحق إلى نصابه. بدمائهم عدنا، بثباتهم عدنا، بشعار “جيشٌ واحد شعبٌ واحد” عدنا.
وصدق فينا وعد الله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]
عدنا، نعم عدنا، وإن وجدنا الدار خراباً، وجدنا الوطن باقياً. عدنا نكنس الركام بأيدينا، ونغسل جدراننا بدموعنا، ونضيء غرفة واحدة وننام فيها عشرة راضين شاكرين. عاد صوت الماء في المواسير ترنيمة، وعاد صوت الكهرباء في الأسلاك عيداً، وعادت تكبيرة المسجد حياة بعد موت.
ونصبح على ترديد أبنائنا لتحية العلم، هذا حلم تحقق بعد أن كان مستحيلاً.
وهنا، في لحظة العودة هذه، يظهر لنا لصٌ جديد، لا يحمل بندقية، بل يحمل آلة حاسبة. تاجرٌ جشع، وسمسارٌ لا يخاف الله، ومالكٌ نزع الرحمة من قلبه. يريد أن يبتزنا بالأسعار، يرفع الإيجار في البيت المهدم إلى عشرة أضعاف، ويحتكر الأسمنت والحديد والخشب، ويقول بكل برود: الدولار ارتفع، والسوق عرض وطلب.
ونقول لهؤلاء ما قاله الله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: 85]
ونذكرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ» رواه مسلم، وقوله: «لا يحتكر إلا خاطئ»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
نقول له: ويحك، أين كان عرضك وطلبك يوم كنا في العراء؟ أين كانت رحمتك يوم كنا نازحين؟ أتأتي اليوم لتقلع ما تبقى لنا كما قُلع منا بالأمس عنوة واقتداراً؟ ولكن هذه المرة بالقانون المزيف وبالجشع المقنن؟
اسمعوها منا واضحة: من صبر على فقد المأوى والماء والكهرباء والعلاج والتعليم، لن يهزمه تاجر. ومن صبر على نهب عمره كله أمام عينه، لن يهزمه غلاء سعر. سنبني ولو براكوبة فوق الركام، وسنسكن ولو في غرفة من طين، وسنؤسس من جديد إن شاء الله، حجراً فوق حجر، وطوبة فوق طوبة.
مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]
هذه نقطة الضوء التي رأيناها اليوم سننظر من خلالها ولن نتركها تنطفئ. سنحرسها من اللص الذي يحمل السلاح، ومن اللص الذي يحمل الآلة الحاسبة، فكلاهما لصٌ يريد أن يسلبنا وطننا.
عدنا وسنبني، رغم أنف الجشع والابتزاز.



