(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… الدكتورة نوارة أبو محمد.. حين يصير المنصب قلبا ينبض في الحقول

في زمن اعتاد فيه الناس ألا يسمعوا إلا صوت البندقية، وألا يلتفتوا إلا لهدير المعارك، يظن المرء أن صوت المحراث قد خفت، وأن حكاية الأرض قد تأجلت إلى حين.
لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنتصر بالسلاح وحده، بل تنتصر حين تعيد السنبلة إلى مكانها. ومن هنا، تطل نقطة الضوء التي نكتب عنها اليوم، الدكتورة نوارة أبو محمد طاهر، عضو مجلس السيادة.
ليس سهلا أن تكون في مقام السيادة في هذا الظرف الذي تمر به بلادنا، حيث الجراح مفتوحة، والتركة ثقيلة. لقد طالت يد المليشيا الغاشمة كل شيء، لم تترك طلمبة إلا عطلتها، ولا محولا إلا نزعته، ولا قناة إلا وملأتها بالمسكيت، ولا مصنعا ولا مجزرة إلا وجعلتها أثرا بعد عين. هذا ما حدث لمشروع سندس الزراعي، المشروع الذي كان يوما سلة غذاء، وكان حلما يمشي على قدمين في جبل أولياء.
واجتمع أهل الوجع في الخرطوم، إدارة المشروع ممثلة في الباشمهندس خالد قرني الذي شرح بمرارة العارف متطلبات الإعمار من طلمبات ومحولات وكابلات، ولجنة الإعمار بقيادة الباشمهندس عوض مدني التي أعلنت أنها في خندق واحد مع الإدارة لترميم القنوات وإزالة المسكيت، وحث الملاك على نظافة مزارعهم استعدادا للموسم. اجتمعوا يحملون ملفا ليس من ورق، بل من دموع المزارعين.
وجلسوا أمام الدكتورة نوارة، فكان الإنصات مختلفا.
لقد سمعت بقلب أنثى تعرف أن الأرض مثل القلب، إذا أهملت قست، وإذا سقيت لانت. وسمعت بعقل دولة تعرف أن الموسم الشتوي لا ينتظر، وأن سد الفجوة في الحبوب هو صلب الأمن القومي. وهنا يتجلى قول الله تعالى في أصل مهمتنا في هذه الأرض: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه) – سورة هود 61. والاستعمار هنا هو طلب الإعمار، أي أن الله أمرنا بإعمار الأرض بالزرع والبناء، فما أعظمها من أمانة حين تتحول من آية في كتاب إلى طلمبة تعمل في سندس.
لقد قالت الدكتورة جملة تساوي كتابا بأكمله، قالت: إن توفير الغذاء لشعبنا مسؤولية ضمن معركة الكرامة. وهي جملة تستلهم قول الحق تبارك وتعالى: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) – سورة قريش 4. فالله قدم الإطعام من الجوع على الأمن من الخوف، لأن بطن الإنسان إذا جاع لا يعرف أمنا، ولأن الكرامة تبدأ من لقمة العيش.
وهنا نتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يجب أن يكتب على بوابة مشروع سندس: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) – رواه البخاري ومسلم. فكل سنبلة ستعود في سندس، هي صدقة جارية في صحيفة من سعى لإعادتها، من المهندس إلى المزارع إلى المسؤولة التي سهرت على تذليل العقبات.
إن رقة الدكتورة نوارة تبدو في لغتها التي لا تجرح، وفي تواضعها حين شكرت الحضور وقالت إنهم يمثلون لوحة كل أهل السودان. ورشاقتها تبدو في سرعة استجابتها ووعدها بزيارة المشروع قريبا والتنسيق مع الجهات ذات الصلة. وأناقتها تبدو في أنها لم تتحدث عن نفسها، بل أثنت على مجاهدات القوات المسلحة والقوات المساندة لها في معركة الكرامة. ورصانتها تبدو في فهمها العميق لمسؤولية الراعي، مستلهمة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته) – رواه البخاري ومسلم.
إن مشروع سندس لا يحتاج إلى خطابات، بل يحتاج إلى إرادة تؤمن بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) – رواه أحمد. وهذا هو عين ما تفعله لجنة الإعمار اليوم، تغرس الفسيلة رغم أن الساعة كأنها قائمة من هول الخراب.
لقد ذكرتنا الدكتورة نوارة بقوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين – سورة الأعراف) 56. فالمليشيا أفسدت بعد الإصلاح، ونحن اليوم نصلح بعد الإفساد، ورحمة الله قريبة من المحسنين الذين يعمرون ولا يدمرون.
نقطة الضوء اليوم أن مشروع سندس وجد من يضيء له الطريق، وأن المزارع البسيط في جبل أولياء صار يعلم أن في الخرطوم قلبا يفكر فيه. ومن أحيا أرضا ميتة فهي له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، (من أحيا أرضا ميتة فهي له) – رواه الترمذي، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.
شكرا للدكتورة نوارة، لأنها أيقظت فينا الإحساس بأن المنصب حين تسكنه امرأة تعرف قيمة الأرض، يصبح المنصب نفسه حقلا يزهر، ويصبح وعدها بزيارة المشروع بشارة خير لموسم شتوي سيكون بإذن الله فاتحة خير لسد فجوة الحبوب وتوفير معاش الناس.



