(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… سياسة الإقصاء في العمل العام وأثرها في المجتمع

لطالما كان العمل العام ميداناً رحباً تتسابق فيه العقول وتتلاقح فيه الخبرات، ومصنعاً تُصاغ فيه هوية الأوطان. غير أن داءً خبيثاً تسلل إلى مفاصل هذا الميدان، فحوّله من ساحة تنافس شريف إلى حلبة تصفية حسابات، ألا وهو “سياسة الإقصاء”.
والإقصاء لغة هو الطرد والإبعاد، واصطلاحاً هو نهجٌ إداري وفكري يقوم على استبعاد فئة أو مجموعة من أبناء الوطن من مواقع صنع القرار والمشاركة بحجة الانتماء أو الرأي أو الخلفية، لا بحجة الكفاءة والعطاء.
أولاً: صور الإقصاء وأدواته
لا يأتي الإقصاء بثوب واحد، بل يتلون بألوان شتى. فتارة يكون إقصاءً مباشراً عبر الفصل التعسفي أو التجميد في الدرجات، وتارة يكون ناعماً عبر التهميش في اللجان، وحرمان أصحاب الكفاءات من الدورات والبعثات، ومنح الفرص لمن لا يستحقها. وأخطر أنواعه الإقصاء الفكري، حين يُصادر صوت المخالف وتُشيطن رؤيته، فيتحول النقاش من “ما هو الصواب” إلى “من هو القائل”.
ثانياً: الآثار المدمرة على المجتمع والدولة
إن لسياسة الإقصاء آثاراً كارثية تمتد كالسرطان في جسد المجتمع:
1. هدر الطاقات والكفاءات: حين يُبعد الطبيب الماهر والمهندس المبدع والموظف النزيه لمجرد اختلافه، فإن الدولة ترمي بأغلى ما تملك في سلة المهملات. ويبقى العمل العام حكراً على “الموالين” لا “الأكفاء”، فيسود الفشل وتتعطل المشاريع.
2. تفشي الفساد والمحسوبية: إذا أُغلق باب الكفاءة، فُتح على مصراعيه باب الولاء. فيصبح المعيار هو القرب لا الجدارة، فينتشر الفساد الإداري والمالي، ويغيب مبدأ الثواب والعقاب.
3. صناعة الكراهية والانقسام: الإنسان المُقصى لا يموت، بل يتحول إلى قنبلة موقوتة. يشعر بالغبن والظلم، فينسحب من المشهد العام أو يناصبه العداء. وهكذا تتشقق اللحمة الوطنية وتتحول من “نحن” إلى “هم ونحن”.
4. موت الإبداع والابتكار: لا إبداع في بيئة الخوف. الموظف الذي يخشى أن يُقصى إذا خالف أو نصح، سيختار الصمت الآمن. فتموت الأفكار الجديدة، وتصبح المؤسسات مجرد آلات تردد ما يُملى عليها.
5. فقدان الثقة في الدولة: عندما يرى الشاب أن مستقبله لا يُبنى على اجتهاده بل على واسطته، يفقد إيمانه بمؤسسات وطنه. فيهاجر أو ينزوي، وتخسر الدولة سواعد أبنائها.
ثالثاً: نقطة الضوء والحل
إن الداء الذي يُقصي لا يبني وطناً، وإنما يبني سجناً كبيراً. والحل يكمن في العودة إلى ميزان العدل الذي وضعه سيبويه للغة ووضعه العقلاء للدول: الكفاءة معيار، والوطن وعاء.
إن نقطة الضوء تبدأ باعتماد الشفافية في التوظيف والترقي، وبإعلاء صوت القانون فوق صوت الانتماء. تبدأ بإدارة تؤمن أن اختلاف الرأي رحمة، وأن النقد دواء لا سم. وطن لا يتسع لكل أبنائه هو وطن ناقص، ومؤسسة تُدار بعقل واحد هي مؤسسة إلى زوال.
ختاماً، إن بناء الأوطان لا يتم بأيدٍ مرتعشة ولا بعقول مُقصاة. إنما يُبنى بسواعد الجميع، بالموالي والمخالف، بالقديم والجديد. فمن أراد لمجتمعه القوة والمنعة، فعليه أن يجعل من العمل العام فسحةً للجميع، لا حظيرةً للبعض. ففي الشمول قوة، وفي الإقصاء هزيمة.



