مقالات الظهيرة

(مهاد الحروف) مهاد عوض تكتب… التعليم الذي لا يصنع وعياً وطنياً.. يبقى ناقصاً!!

ليس التعليم مجرد كتبٍ تُحفظ، وشهاداتٍ تُعلّق على الجدران، ومراحل دراسية نعبرها للحصول على وظيفة أو مكانة اجتماعية. التعليم الحقيقي أوسع من ذلك بكثير؛ فهو عملية بناء للإنسان، وتشكيل لوعيه، وإعادة تعريف لعلاقته بنفسه ومجتمعه ووطنه.

ولهذا فإن التعليم الذي لا ينتج وعياً وطنياً يبقى تعليماً ناقصاً، مهما ارتفعت درجات التحصيل الأكاديمي وكثرت الشهادات.

فحين يتعلم الإنسان كيف يحفظ المعلومة، لكنه لا يتعلم كيف يفكر، وحين يعرف حقوقه ولا يدرك مسؤولياته، وحين يتخرج من المؤسسات التعليمية وهو يرى الوطن من زاوية القبيلة أو المنطقة أو الجماعة أو الأشخاص، فإن هناك حلقة أساسية مفقودة في منظومة التعليم.

الوطن لا يُبنى بالعقول المتعلمة فقط، وإنما بالعقول الواعية.

فالوعي الوطني لا يعني أن يتخلى الإنسان عن قبيلته أو منطقته أو جذوره، ولا يعني أن ينكر انتماءه الاجتماعي والثقافي، وإنما يعني أن يدرك أن هذه الانتماءات جزء من هويته وليست بديلاً عن هويته الوطنية.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الانتماءات الصغيرة إلى معيار للحكم على الآخرين، وعندما يصبح القريب مقبولاً لمجرد أنه من القبيلة نفسها، أو من المنطقة نفسها، أو لأنه ينتمي إلى المجموعة ذاتها، بينما يُنظر إلى المختلف باعتباره غريباً أو خصماً.

هنا يصبح التعليم عاجزاً عن أداء واحدة من أهم وظائفه: تحرير العقل من التعصب وبناء الإنسان القادر على رؤية الوطن كمساحة مشتركة للجميع.

ولعل أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمعات هو أن تنتج أجيالاً متعلمة، لكنها غير قادرة على تجاوز الولاءات الضيقة. فالشهادة الجامعية لا تمنح صاحبها بالضرورة وعياً وطنياً، كما أن ارتفاع المستوى الأكاديمي لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى النضج الاجتماعي.

نحن بحاجة إلى تعليم يعلّم أبناءنا أن الوطن ليس ملكاً لقبيلة أو منطقة أو جماعة سياسية أو شخصية بعينها، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بنسبه أو مكان ولادته أو علاقاته، وإنما بما يقدمه لوطنه ومجتمعه.

نحتاج إلى مدارس وجامعات لا تكتفي بتدريس المناهج، بل تفتح مساحات للحوار، وتعلّم احترام الاختلاف، وتغرس قيم المواطنة والعدالة والمساواة والمسؤولية العامة.

فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن المختلف عنه ليس عدواً، سيكون أكثر قدرة على بناء مجتمع متماسك. والشاب الذي يدرك أن نجاح وطنه مرتبط بنجاح الجميع، لن يرى المصلحة العامة من خلال مصلحته الشخصية أو القبلية أو المناطقية.

إن بناء الوعي الوطني ليس مادة دراسية تُضاف إلى جدول الحصص، بل ثقافة يجب أن تتسلل إلى كل تفاصيل العملية التعليمية؛ في طريقة تعامل المعلم مع طلابه، وفي مضمون المناهج، وفي احترام القانون، وفي قبول الآخر، وفي تدريب الطالب على التفكير النقدي، وفي تعليمه أن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة لا سبباً للصراع.

وحين يغيب هذا الدور، قد يتحول التعليم، دون أن نشعر، إلى مجرد وسيلة للحصول على الشهادة، بينما تظل العقلية القديمة كما هي؛ عقلية تحكمها العصبية، والولاء للأشخاص، والانحياز للمكان، والخوف من المختلف.

لذلك فإن معركة بناء الوطن تبدأ من بناء الإنسان، وبناء الإنسان لا يكتمل بالمعرفة وحدها، وإنما بالوعي.

فالتعليم الذي يمنحك شهادة ولا يمنحك وعياً بوطنك، قد يرفع مستواك العلمي، لكنه لم يكتمل بعد في أداء رسالته الأهم: أن يصنع إنساناً يرى الوطن أكبر من القبيلة، وأوسع من المنطقة، وأبقى من الأشخاص.

وهنا تحديداً يكمن الفرق بين تعليم يُنتج متعلمين، وتعليم يُنتج مواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى