(مَشاهِدُ) مُحَمَّدُ الطَّيِّبُ عابِدينَ يكتب… مِن أَمْراضٍ وعِلَلٍ لأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ(5/5)!!
في الحَلَقاتِ الأَرْبَعِ السَّابِقَةِ، تَعَرَّضْنا لِشَيْءٍ مِن عِلَلِ وأَمْراضِ الأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ السُّودانِيَّةِ، لا لِنَدْمِغَها بالفَشَلِ ونَسْعى في حَلِّها، ولَكِن لِنُقَدِّمَ نَقْدًا مَوْضوعِيًّا لِتَجْرِبَةٍ طَويلَةٍ، يَنْبَغي تَقْييمُها وتَقْويمُها وإصْلاحُها؛ فَقَدْ أَثْبَتِ التَّجارِبُ الإنْسانِيَّةُ في العالَمِ أَنَّهُ لا بَديلَ لِلدِّيمُقْراطِيَّةِ الرَّاشِدَةِ الَّتي تُنْتِجُ حُكْمًا عادِلًا إلَّا الدِّكْتاتُورِيَّةَ القَمْعِيَّةَ المَدَنِيَّةَ أو العَسْكَرِيَّةَ.
ويَتَّفِقُ فُقَهاءُ العُلومِ السِّياسِيَّةِ، ومُفَكِّرو وكُتَّابُ كَثيرٍ مِن الكِياناتِ السِّياسِيَّةِ، وحَتَّى غَيْرُ السِّياسِيِّينَ ومُحْتَرِفو العَمَلِ العامِّ؛ على أَنَّهُ لا دِيمُقْراطِيَّةَ بِلا تَعَدُّدِيَّةٍ حِزْبِيَّةٍ، ولا تَعَدُّدِيَّةَ دُونَ أَحْزابٍ سِياسِيَّةٍ مُعافاةٍ، دِيمُقْراطِيَّةٍ في تَنْظيماتِها، تُمارسُ وتَحْتَرِمُ حُكْمَ المُؤَسَّسَةِ، وتُتيحُ لِكَوادِرِها حُرِّيَّةً مُنْضَبِطَةً مُؤَطَّرَةً بِفِكْرٍ ومَبادِئَ، وتَدْريبٍ وتَأْهيلٍ حِزْبِيٍّ ومِهَنِيٍّ.
لَقَدْ باءَتْ بِفَشَلٍ عَظيمٍ كُلُّ مُحاوَلاتِ وَأْدِ الأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ، واسْتِبْدالِها بِتَكْويناتٍ مُشَوَّهَةٍ عَقيمًا فِكْرِيًّا، وعاجِزَةٍ عَمَلِيًّا عَنْ تَوْفيرِ الحُرِّيَّاتِ العامَّةِ والْحُقوقِ الأَساسِيَّةِ لِلمُواطِنِ، وتَحَوَّلَتْ إلى دِكْتاتُورِيَّاتٍ باطِشَةٍ هَزَمَتْها الثَّوْراتُ المَجيدَةُ أَيْنَما هَبَّتْ في وَجْهِ الطُّغاةِ.
وتَمَثَّلَتْ تَجْرِبَةُ الاتِّحادِ الاشْتِراكِيِّ السُّودانِيِّ مِثالًا ساطِعًا على فَشَلِ تَجْرِبَةِ التَّنْظيمِ السِّياسِيِّ الواحِدِ، ووَقَفَتْ تَجْرِبَةُ “الكِتابِ الأَخْضَرِ” ولِجانِهِ الثَّوْرِيَّةِ في الجَماهِيرِيَّةِ العَرَبِيَّةِ اللَّيبِيَّةِ الشَّعْبِيَّةِ الاشْتِراكِيَّةِ العُظْمى – _والتَّوَتُّرُ الجَدَلِيُّ لِلاسْمِ وتَناقُضُهُ يُوضِّحُ مَدى فَشَلِ النَّظَرِيَّةِ_ – دَليلًا شاهِدًا على فَشَلِ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ. ولَيْسَ بِبَعيدٍ عَنَّا تَجْرِبَةُ المُؤْتَمَرِ الوَطَنِيِّ “الإسْلامَوِيِّ” الَّذي ادَّعى مُنَظِّروهُ أَنَّهُ الوِعاءُ السِّياسِيُّ الشَّامِلُ، فَما لَبِثوا حَتَّى انْشَقُّوا عَنْهُ وأَنْشَأوا أَحْزابَهُمُ الخاصَّةَ: المُؤْتَمَرُ الشَّعْبِيُّ، الإصْلاحُ الآنَ، وغَيْرُهُما.
كَما أَنَّ سَطْوَةَ جَلاوِزَةِ النَّاصِرِيَّةِ في مِصْرَ، وحِزْبِ البَعْثِ العَرَبِيِّ الاشْتِراكِيِّ في العِراقِ وسُورِيا، كانَتْ تَجارِبَ مُرَّةً قاسِيَةً على المُواطِنِ والوَطَنِ.
إلَّا أَنَّ الفَتْرَةَ الطَّويلَةَ الَّتي قَضاها الحِزْبُ الشُّيوعِيُّ على سِدَّةِ الحُكْمِ في الاتِّحادِ السُّوفْيِيتِيِّ مَثَّلَتْ نَمُوذَجًا صارِخًا على فَشَلِ حُكْمِ الحِزْبِ الواحِدِ، حَتَّى تَسَبَّبَتْ تِلْكَ التَّجْرِبَةُ ذاتُها في انْفِضاضِ جَمْعِهِ ونَقْضِ غَزْلِهِ، وتَشْتيتِهِ إلى دُوَيْلاتٍ صَغيرَةٍ ضَعيفَةِ العِدَّةِ والعَدِ.
وتَمَيَّزَتْ جَميعُ أَحْزابِ الرَّأْيِ الواحِدِ والفِكْرِ الواحِدِ بِعَدَمِ إيمانِها الفِكْرِيِّ والعَمَلِيِّ بِالدِّيمُقْراطِيَّةِ الحَقيقِيَّةِ القائِمَةِ على حُرِّيَّةِ الفَرْدِ، وشَفافِيَّةِ العَمَلِيَّةِ الانْتِخابِيَّةِ ونَزاهَتِها؛ فَكَيْفَ لِحِزْبٍ واحِدٍ أَنْ يَكونَ دِيمُقْراطِيًّا في تَنْظيمِهِ أو وَطَنِهِ الَّذي يَجْثِمُ بِكَلْكَلِهِ على صَدْرِهِ؟ *وتَبْقى الحَقيقَةُ أَنَّهُ لا دِيمُقْراطِيَّةَ دُونَ تَعَدُّدِيَّةٍ حِزْبِيَّةٍ.*
*رَوْشِتَةُ العِلاجِ*
“””””””””””””””””
1/ *فاقِدُ الشَّيْءِ لا يُعْطيهِ،* لِذا يَتَوَجَّبُ على الأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ أَنْ تُؤْمِنَ فِكْرًا وعَمَلًا بِحُرِّيَّةِ الفَرْدِ، ودِيمُقْراطِيَّةِ التَّنْظيمِ، وحُكْمِ المُؤَسَّسَةِ.
2/ *التَّرْبِيَةُ التَّنْظيمِيَّةُ* القائِمَةُ على تَشَبُّعِ الكادِرِ النَّاشِئِ بِفِكْرِ الحِزْبِ ومَبادِئِهِ وبَرامِجِهِ، تُنْتِجُ قادَةً وزُعَماءَ لِلمُسْتَقْبَلِ لا يَسْهُلُ اسْتِغْلالُهُم أو تَحْريكُهُم كَقِطَعِ الشِّطْرَنْجِ أو قَطيعِ الأَغْنامِ؛ بِعَكْسِ الكادِرِ المُفْتَقِرِ إلى رُوحِ فِكْرَةِ الحِزْبِ ومَبادِئِهِ.
3/ *الدِّيمُقْراطِيَّةُ لَيْسَتْ شِعاراتٍ ولا أَغانِيَ،* بَلْ عَقيدَةٌ يَتَرَبَّى عَلَيْها الكادِرُ الحِزْبِيُّ حَتَّى تَصيرَ جُزْءًا مِن حَياتِهِ وسُلوكِهِ داخِلَ بَيْتِهِ، وفي عَمَلِهِ، ووَسَطِ مُجْتَمَعِهِ المَحَلِّيِّ، وفي حِزْبِهِ، ثُمَّ في وَطَنِهِ. سِلْسِلَةٌ مُقَدَّسَةٌ يَشُدُّ بَعْضُها بَعْضًا، لا تَنْفَصِلُ حَلَقاتُها ولا تَتَجَزَّأُ مَراحِلُها، تَحْتاجُ إلى صَبْرٍ عَلَيْها ومُمَارَسَةٍ شَفَّافَةٍ، واحْتِرامٍ وقَبولٍ مِنَ الخاسِرِ قَبْلَ الرَّابِحِ.
4/ *على قِياداتِ الحِزْبِ في الوِلاياتِ أَنْ تَقومَ بِواجِباتِها قَبْلَ أَنْ تُطالِبَ بِحُقوقِها مِن مَرْكَزِ الحِزْبِ،* تَتَفَقَّدُ مُدُنَها ورِيفَها، وتُكَوِّنُ مُؤَسَّساتِها الوِلائِيَّةَ والمَحَلِّيَّةَ حَتَّى لَجْنَةَ الحَيِّ – النَّواةَ الأُولى والأساسِيَّةَ لِبِناءِ الأَحْزابِ؛ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ تُطالِبُ بِحُقوقِها كامِلَةً مِن قِيادَةِ مَرْكَزِ الحِزْبِ.
5/ *تَجْديدُ المُؤَسَّساتِ الحِزْبِيَّةِ،* وتَداوُلُ السُّلْطَةِ عَبْرَ مُؤْتَمَراتٍ راتِبَةٍ، يَقي المُؤَسَّساتِ مِنَ الشَّيْخُوخَةِ، ويَحْمي الحِزْبَ مِنَ المَوْتِ البَطيءِ.
6/ *كَثْرَةُ التَّيَّاراتِ في الحِزْبِ الواحِدِ* تُؤَدّي إلى تَقْسيمِهِ وتَفْتيتِهِ إلى نُتَفٍ حِزْبِيَّةٍ صَغيرَةٍ ضَعيفَةٍ يَسْهُلُ اخْتِراقُها وتَعْطيلُها عَنْ دَوْرِها الوَطَنِيِّ المَنْشودِ.
7/ *العَمَلُ الجَماعِيُّ* قُوَّةٌ وطاقَةٌ جَبَّارَةٌ تَدْفَعُ بِدَواليبِ حَرَكَةِ الحِزْبِ إلى الأَمامِ، بَيْنَما تَحْويلُ كُلِّ فَرْدٍ إلى قائِدٍ، وكُلِّ قائِدٍ إلى زَعيمٍ أَوْحَدَ لا يَسْمَعُ إلَّا صَوْتَهُ، ولا يَرى إلَّا نَفْسَهُ، رَأْيُهُ صَوابٌ لا يَحْتَمِلُ الخَطَأَ، ورَأْيُ غَيْرِهِ خَطَأٌ لا يَحْتَمِلُ الصَّوابَ.
8/ *الشَّبابُ في الأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ طاقَةُ الحاضِرِ وقِيادَةُ المُسْتَقْبَلِ؛* تَأْهيلُهُم وتَدْريبُهُم واجِبٌ على القِياداتِ، وإهْمالُهُم واسْتِغْلالُهُم يُنْتِجُ قِياداتٍ ضَعيفَةً فِكْرِيًّا وتَنْظيمِيًّا، تُسَبِّبُ في إفْشالِ العَمَلِ الحِزْبِيِّ والوَطَنِيِّ بِشَكْلٍ عامٍّ.
9/ *المالُ الحِزْبِيُّ نِعْمَةٌ،* وإهْدارُهُ واسْتِغْلالُهُ في شِراءِ وبَيْعِ الكَوادِرِ الحِزْبِيَّةِ يُحَوِّلُهُ إلى نِقْمَةٍ ووَبالٍ عَظيمٍ.
10/ *تَظَلُّ الدِّيمُقْراطِيَّةُ أَفْضَلَ وأَنْقى وأَعْدَلَ وَسائِلِ الحُكْمِ،* حَتَّى وإنْ تَعَثَّرَتْ وضَعُفَتْ، وأَصابَتْها رِماحُ الانْقِلاباتِ العَسْكَرِيَّةِ والمَدَنِيَّةِ؛ وتَظَلُّ الأَحْزابُ السِّياسِيَّةُ فِكْرَةً جَديرَةً بالاحْتِرامِ قِياسًا بِكُلِّ التَّجارِبِ الأُخْرى الَّتي حاوَلَتْ إلْغاءَ الحِزْبِيَّةِ وإِنْشاءَ كِياناتٍ جَبْهَوِيَّةٍ شُمُولِيَّةٍ.
11/ *لَمْ يَبْتَكِرِ الفِكْرُ الإنْسانِيُّ حَتَّى الآنَ* أَفْضَلَ مِنَ التَّعَدُّدِيَّةِ الحِزْبِيَّةِ – لا الحِزْبِ الواحِدِ – وَسيلَةً ناجِعَةً لِإِنْتاجِ دِيمُقْراطِيَّةٍ نَقِيَّةٍ عَبْرَ انْتِخاباتٍ حُرَّةٍ شَفَّافَةٍ نَزِيهَةٍ عادِلَةٍ؛ فَهِيَ التِّرْياقُ الواقِي مِن صَدَماتِ الانْقِلاباتِ العَسْكَرِيَّةِ والمَدَنِيَّةِ.
انْتَهى
مَعَ تَحِيَّاتي ،،،
*مُحَمَّدُ الطَّيِّبُ عابِدينَ*
بُرِّي – أَيْقُونَةُ الخُرْطومِ
الجُمُعَةُ 12 يُونْيُو 2026م



