(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… النور حمد… شاهد ماشافش حاجة !
من السهل أن تُطلق التوقعات من خلف شاشة هاتف أو مكتب بعيد، لكن من الصعب أن تتحدث عن معاناة الناس وأنت لم تعش تفاصيلها، ولم تشاهدها بعينيك، ولم تذق مرارتها يومًا بعد يوم.
تصريحات النور حمد التي توقع فيها أن تصبح المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش المسرح الأكبر للفقر والجوع وانعدام الأمن، تبدو بعيدة عن الواقع الذي يعيشه آلاف السودانيين الذين خرجوا من تحت قبضة المليشيا، وعادوا ليجدوا الحد الأدنى من مظاهر الحياة يعود تدريجيًا إلى مدنهم وقراهم
السؤال الذي يفرض نفسه: هل زار النور حمد المناطق التي استباحتها المليشيا؟ وهل عاش بين الأسر التي نزحت، وفقدت منازلها وممتلكاتها؟ وهل رأى كيف كان الناس يقتاتون بما توفر لهم في ظل الحصار وانهيار الأسواق وانعدام الأمن؟ إن الحديث عن الجوع لا يُبنى على تصورات ذهنية، وإنما على معايشة الواقع
لقد عرف سكان المناطق التي سيطرت عليها المليشيا معنى الجوع الحقيقي، وعرفوا كيف تحولت الوجبة الواحدة إلى أمنية، وكيف أصبح الحصول على الدقيق أو العدس أو حتى بصلة أمرًا بالغ الصعوبة، تلك ليست روايات متخيلة، بل شهادات عاشها المواطنون يومًا بعد يوم
وعندما استعادت القوات المسلحة السيطرة على عدد من المدن، بدأت الأسواق تستعيد حركتها، وعادت السلع تتوفر بدرجات متفاوتة، وبدأت الخدمات، رغم التحديات الكبيرة، تعود تدريجيًا، لا أحد يدعي أن الأوضاع أصبحت مثالية، لكن الفارق بين مدينة تخضع لسلطة الدولة ومدينة تهيمن عليها المليشيا، فارق يلمسه المواطن قبل أي محلل سياسي
المؤسف أن بعض المثقفين يصرون على قراءة المشهد من زاوية واحدة، ويتجاهلون الوقائع على الأرض، وكأنهم لا يرون إلا ما يوافق قناعاتهم المسبقة، فالمثقف الحقيقي لا يصوغ أحكامه من الأمنيات أو المواقف السياسية، وإنما من الحقائق والوقائع
إن السودان يحتاج اليوم إلى خطاب يخفف من معاناة الناس، ويستند إلى الواقع لا إلى التوقعات المتشائمة، أما صناعة اليأس وإطلاق النبوءات السوداء دون سند من الواقع، فلن تسهم إلا في زيادة الإحباط، ولن تغير الحقائق التي يراها المواطن بعينيه كل يوم
إني من منصتي أنظر …. حيث أري… أن المعيار الحقيقي هو ما يعيشه الناس على الأرض، لا ما يُكتب في تدوينة، ولا ما يُقال في تحليل، فالواقع، مهما حاول البعض تجاهله، يظل أقوى من أي خطاب، وأصدق من أي توقع.



