مقالات الظهيرة

(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب.. َبوجهين.. يصافحك بيدٍ ويذبحك بأخرى!!

هي صفةٌ ذميمةٌ تفشت في زماننا هذا حتى كادت تصبح هي الأصل، وما عداها هو الاستثناء، أن ترى الرجل أمامك يبتسم لك، ويخفض لك جناح الذل من الاحترام، ويقدسك تقديساً حتى تكاد تصدق أنك من الصالحين، فإذا ما أدرت له ظهرك ومضيت، انقلب ذلك الوقار سكيناً، وذلك المديح طعناً، وقطع فيك بالكلام قطعاً، وكأنك شخصٌ آخر غير الذي كان يقف أمامه قبل قليل.

 

ما أوسع صدور الناس في وجوهنا، وما أضيقها في ظهورنا. أمامك يقول: يا أخي العزيز، يا رجل يا طيب، ومن خلفك يقول: أما سمعتم ما فعل؟ أما رأيتم ما قال؟ يأكل لحمك ميتاً وهو يبتسم، وينهش عرضك وهو يصافحك.

 

وهذا يا سادتي ليس من أخلاق الرجال، ولا من شيم الكرام، بل هو مرضٌ قديمٌ جديد، سماه ديننا الحنيف باسمٍ لا يخطئه أحد: الغيبة، والنفاق الاجتماعي.

 

أما الغيبة، فقد سأل عنها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: “أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره”. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: “إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته”.

 

وقد شبهها القرآن الكريم تشبيهاً تقشعر له الأبدان، فقال تعالى: *{ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }* فأي صورةٍ أبشع من أن يأكل الإنسان لحم أخيه وهو ميت لا يدافع عن نفسه؟

 

وأما الوجهان، فقد قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: “تجدون شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه”. وما أكثرهم اليوم، يلبسون لكل مجلسٍ قناعاً، ويتكلمون بكل لسانٍ لغةً.

 

إن الاحترام الحقيقي ليس ما يُقال أمامك، بل ما يُقال في غيابك، فمن حفظك في ظهرك هو من يحترمك حقاً، ومن صان لسانك عنك أمام الناس هو من يقدرك صدقاً، أما من يقدسك أمامك ويقطع فيك خلفك، فذاك لا يحترمك، إنما يحترم مصلحته معك.

 

فيا أيها المبتلى بهذه الخصلة، راجع نفسك، فإن المجالس تُسجل، والكلمات لا تضيع، وما تقوله اليوم في ظهر أخيك، سيقوله غيرك غداً في ظهرك، وكما تدين تدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى