مقالات الظهيرة

(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب…. من مدني.. تنهض الجزيرة من رماد الحرب إلى ضفاف المستقبل!! 

لم يكن الاجتماع في مكتب والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير اجتماعاً عادياً من اجتماعات البروتوكول التي اعتدنا عليها. كان أشبه بوقفة على أعتاب تاريخ جديد، حين يجلس الرجل الذي حمل على كتفيه همّ ولاية منكوبة، لا ليرثي حالها، بل ليعلن ميلادها من جديد.

 

حوله كان وزراء حكومته: وزير المالية عاطف أبو شوك، ووزراء الصحة، والرعاية الاجتماعية، والتخطيط العمراني، والتربية والتعليم، والزراعة، ومعهم *مفوض العون الإنساني أسعد السر*.

وفي المقابل جلس وفد لجنة “الحلول الدائمة” برئاسة *فلوريان ماريا*، جاءوا لا يحملون دفاتر الإغاثة فحسب، بل يحملون سؤالاً واحداً: ماذا تحتاج الجزيرة لتنهض؟

 

بدأ الوالي حديثه بما يليق بمقام الوفاء. أثنى على المنظمات التي لم تدر ظهرها للجزيرة في “أيام المحنة”، حين كانت المليشيا تعيث في الأرض فساداً، وتخرب ما عمره الإنسان في سنين. تحدث عن الخراب الذي طال كل شيء، عن البنى التي سويت بالأرض، وعن الإنسان الذي شرّد وقتل. ولكن صوته لم يكن صوت النائح. كان صوت الباني. قالها بجلاء: “لقد تجاوزنا تلك المرحلة. لم نعد نقف على أطلال الماضي نبكيه، بل نقف على أرض الحاضر نبنيه”. انتقلنا من زمن النجاة إلى زمن التجويد، ومن زمن الترميم إلى زمن التميز.

 

ثم أخذ *الوالي* الضيوف في جولة على خارطة النعم التي حباها الله لهذه الأرض. فالجزيرة ليست ولاية كسائر الولايات. هنا يمتد مشروع الجزيرة بعبقته التاريخية على أكثر من مليوني فدان، وهنا 60% من مشروع الرهد الزراعي الذي يعد شرياناً آخر للحياة. وهنا أيضاً مليون وسبعمائة ألف فدان تنتظر قطرات المطر لتنبت قمحاً وذرة، ومساحات من البساتين تتنفس برتقالاً ومنقة. توقف *الوالي* عند هذه الأرقام طويلاً وقال: “هذه ليست مجرد مساحات في دفاتر الحكومة. هذا هو الأمن الغذائي للسودان بأكمله. إن أحسنا استثمار هذه الأرض، كفت الجزيرة نفسها، وأطعمت جاراتها، وسدت رمق وطنٍ أنهكته الحروب”.

 

ولأن الخبز وحده لا يصنع حياة، انتقل الحديث إلى الإنسان. إلى الجسد الذي أنهكته الحرب ويحتاج للدواء. فكانت البشرى. استطاعت حكومة الولاية، رغم كل الظروف، أن تعيد الروح إلى 106 مستشفيات كانت قد أغلقت أبوابها. وأن تفتح 850 مركزاً صحياً لاستقبال المرضى. ولم يعد الأمر مقتصراً على أبناء الجزيرة. فقد غدت مستشفيات مدني والمناقل ورفاعة قبلة يقصدها المرضى من الولايات المجاورة، ينشدون فيها العلاج بعد أن ضاقت بهم السبل.

 

وطمأن *الوالي* وفده الكريم بأن حال الأمن في الولاية مستقر، وأن عجلة المرتبات تدور بانتظام، وأن كثيراً من الخدمات التي كانت معطلة قد عادت للعمل. وختم حديثه بإعلان يحمل عزم الرجال: “إن حكومة الولاية تضع كل إمكانياتها رهن إشارة كل جهد صادق يريد لهذه الأرض أن تنمو، ولكل يدٍ بيضاء تريد أن تمتد بالبناء لا بالدمار”.

 

وجاء دور *وزير المالية عاطف أبو شوك* ليضع الأرقام على طاولة الحقيقة. اعترف بأن الجزيرة كانت من أكثر ولايات السودان التي نالها الخراب. تخريب في البنى التحتية، وتشريد في الإنسان، وتقتيل أوجع القلوب. ولكن *الوزير* قال إن الولاية بذلت جهداً خارقاً لإعادة الخدمات إلى مؤسساتها، وهذا الجهد هو الذي شجع المواطنين على العودة إلى ديارهم. أقر بوجود نواقص تحتاج إلى يد العون، ولكنه بشر بأن هناك تناغماً تاماً بين مؤسسات الحكم في الولاية، وأن ملف المرتبات مستقر، وأن الأمن مستتب.

 

أما *فلوريان ماريا* رئيس الوفد، فقد كان واضحاً في الهدف من الزيارة. قال: “لم نأت إلى الجزيرة مصادفة. جئنا لأنها خاصة. لأن جرحها غائر، ولأن صمودها يستحق أن يروى للعالم”. وأوضح أن مهمة الوفد هي الوقوف ميدانياً على حجم الأضرار، وعلى حجم الجهود التي بذلتها الحكومة في إيواء العائدين واستقرارهم، ليرفعوا تقريراً متكاملاً إلى اجتماع المانحين المزمع عقده في الرابع عشر من هذا الشهر.

 

وأكد *مفوض العون الإنساني أسعد السر* أن هذه الزيارة تأتي في إطار التعرف عن قرب على التحديات التي تواجه الولاية، وعلى الخطط التي وضعتها الحكومة لسد الاحتياجات. وأشار إلى أن الوفد سيعقد سلسلة من اللقاءات مع الوزارات المختلفة، ليخرج بخطة طريق للتنمية المستدامة تعرض على المجتمع الدولي.

 

وإذا أردنا أن نلخص ما خرجنا به من هذا اللقاء في كلمة واحدة، فهي: الجزيرة لا تطلب الشفقة. الجزيرة تعرض الشراكة. الأرض موجودة وبكر، والإنسان موجود وصابر، والإرادة موجودة وعازمة. فهل يجيب العالم على نداء مدني؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى