لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب…. تهميش السرور!!
مما حواه سفرُ السياسة السودانية من المصطلحات الشائعة: التهميش، بمعنى العزل والإهمال والإقصاء والتغييب. وذلك – في الغالب – بغرض إعادة التموضع الوظيفي والحصول على منافع من قِبل حملة لواء هذا الادعاء. وللحقيقة، فهذا المصطلح مُنتِج؛ لأن أغلب من امتطاه بلغ به غاياته، بل وتجاوز به المأمول في بعض الأحيان، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ولعل أشهر من استخدمه هو العقيد جون قرنق إبان قيادته للحركة الشعبية لتحرير السودان، وكان غالبًا ما يقدمه في قالبٍ مسرحي تهكمي، يملؤه بالمفارقات، فيُضحك السامعين ضحكاتٍ آسية ممزوجة بالحسرات، يلتقطها بذكاء ليوظفها في إثارة الحماس ومواصلة قتال هذا العدو الذي مارس – بحسب طرحه – التهميش في حقهم.
ولما فرغ جون قرنق من لافتة التهميش، أورثها للحركات المسلحة، فاعتصرت ما فيها من زيت ، ووصلت – بتوائم الظروف – إلى سدة الحكم، وشراكة إدارة الدولة من المركز المتهم أصلًا بممارسة التهميش. ثم رُكِّزت راية التهميش في زوايا مهملة من قصر الحكم، حتى تسلل إليها حميدتي، فأعاد عرضها في سوق الدعاية؛ لأنها الأقرب لخواطر الزبون المستهدف. فهي تثير حمية القوم المتكلم باسمهم، وترفع مقام القيادة إلى مصاف النبلاء، وتجلب التعاطف والمؤازرة الخارجية، وتغري الصيادين الاستراتيجيين بنشر الشباك وكجّ الشراك لاقتناص الدولة والدين والموارد والنفوذ، وفرص تشكيل مستقبل الدول والشعوب. حتى بدت دعاية التهميش كأنها موسم تزاوج في سهول البرية، وصراع نزوات للسيطرة على القطيع.
مناسبة الحديث هي عودة اللواء خلا النور قِبّة إلى الوطن، بعد غربة وتمرد وقتال شرس في ميدان المعركة المفتوح، منذ محاولة اقتحام بيت الرئيس، وخلال سلاسل من المعارك واقتحام المدن وإفساد القرى، على مدى ثلاث سنوات، تحت رايات التهميش الذي مارسته – بحسب طرحهم – دولة الجلابة، دولة ٥٦ كما يسمونها. وقد غُطِّيت كل عورات المطامع بدثار التهميش، حتى لا تظهر رغبة آل دقلو في حكم السودان، كما اعتادوا ضم كل أتان تائه إلى قطيعهم الذي يبتاعون فيه ويبيعون.
وكذلك – وفق هذا السياق – إخفاء الأثر الصهيوني الذي يُلهم هذا الحراك، في سعيه لتنظيف المنطقة من أي أثر إسلامي يدعو لمقاومة اليهود، أو تحرير فلسطين، أو حماية المسجد الأقصى. بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الوعي العام، بإدراج الإسلام ضمن ثلاثيةٍ إبراهيميةٍ مصطنعة، مع اليهودية والمسيحية، بكل مقتهما ،وهو ما نفاه رب العالمين بقوله: {ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين}.
وغير ذلك كثير من آثار الوكلاء والعملاء والأدوات الوظيفية، ونسخ اليساريين المتحولة أيديولوجيًا، التي فقدت صلابة البلاشفة، واستسلمت للهيمنة الأمريكية، فبدت ككيانات هلامية بلا ملامح واضحة.
إن عودة اللواء خلا النور قِبّة من كواليس مسرح الدعاية والتهميش إلى أحضان دولة ٥٦ – حيث مظان الاتهام – تمثل عودة للوعي بعد الغشية، وعودة للشجاعة والقدرة على قول الحق والمواجهة، وعودة لحق الاختيار الحر بلا مؤثرات، وعودة ضالٍّ إلى سواء السبيل بدلًا من التمادي وركوب الرأس. وهي شاهد على بطلان أصل الادعاء، وأن الدثار يخفي تحته أهوالًا وأكاذيب، وأن لافتة التهميش ليست إلا عرضًا تجاريًا وحيلة تسويقية لبضاعة كاسدة، سيعرف الناس زيفها وفسادها ولو طال الزمن.
ولعل عموم الرأي العام يرحب بهذه العودة، لما سبقها من أمثلة أضافت لمسيرة الوطن نحو النصر النهائي إضافاتٍ مقدّرة.
أما لافتة التهميش، فقد اشتملت على مفارقات كثيرة، أبرزها حصرية الانتفاع بها على رافعيها، بينما ساء حال عامة الناس وانحدر أكثر مما كان عليه قبل حراك “المهمشين” المسلح؛ ودونك المقارنة، فالأرقام لا تكذب.
ولك أن تتخيل حميدتي وعبد الرحيم وبقيتهم، وقد طووا مفازات الفقر في زمن قياسي إلى مصاف الغنى والثراء، ومع ذلك يظلون قادة “ثورة المهمشين” ضد دولة الجلابة والكيزان والفلول!
يا ليته تهميشُنا…
فهو تهميشُ السرور
مرحبًا باللواء خلا النور قِبّة، القادم من دائرة “المُهمَّشين” إلى أحضان “المُهمِّشين”.



