علاء الدين محمد ابكر يكتب…. خطر الفساد على مستقبل شعوب افريقيا
يُعد الفساد بكافة أشكاله العقبة الرئيسة التي تعيق تقدم الدول النامية، وتبرز هذه المعضلة بشكل صارخ في القارة الأفريقية. فالفساد هناك ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل مرض مزمن تضرب جذوره في عمق مؤسسات الدولة، حتى اختلط بمفاصل الحكومات وصار من الصعب الفصل بينهما.
1. المفارقة الأفريقية: ثروات طائلة وشعوب جائعة
انعكست آثار الفساد بشكل مباشر على الواقع المعيشي للشعوب. فالمفارقة المؤلمة أن دولاً تمتلك موارد طبيعية هائلة من يورانيوم وذهب وماس ونفط، إضافة إلى أراضٍ زراعية خصبة وثروة حيوانية وسمكية ضخمة، لا تزال شعوبها تعاني من الجوع وتفتقر إلى أبسط الحقوق الأساسية كالتعليم والصحة والسكن.
هذا الواقع دفع آلاف الشباب، وهم الثروة الحقيقية التي تحتاجها القارة، إلى المخاطرة بحياتهم عبر قوارب الموت في البحر الأبيض المتوسط. فالهجرة غير الشرعية إلى أوروبا باتت هي الخيار الوحيد أمامهم بعدما فقدوا الأمل في العيش الكريم على أرضهم. والنتيجة: إما الغرق، أو العمل في مهن هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع، لتستفيد أوروبا من هذه السواعد التي كان من المفترض أن تبني أوطانها.
2. الفساد المحمي: شبكات نفوذ فوق القانون
الأخطر من الفساد نفسه أنه صار محمياً بالقانون. فالفاسد اليوم يتمتع بشبكة نفوذ واسعة بين المسؤولين، يشتري الذمم وأصحاب الضمائر الميتة. يمتلك المال، ويحرص على الظهور بمظهر رجل الأعمال الناجح، ويتقرب من وسائل الإعلام، ولا يتردد في التبرع للفقراء لغسل سمعته وتلميع تاريخه.
وبهذا يتقرب أكثر من صناع القرار، فيتحول إلى صاحب نفوذ لا يُقهر، قادر على ترويض أي مشكلة تعترض طريقه. وللأسف، هؤلاء كثر في القارة السمراء، وهم أخطر من الاستعمار الأوروبي نفسه. فالاستعمار سرق الموارد ثم رحل، أما الفساد الذي خلفه أبناء القارة فلا يتوقف، ولا يسمح لأي جهة بإيقافه، ولا يتورع عن استخدام العنف لحماية مصالحه.
3. الفساد والحرب: ثنائية الدمار
يساهم الفساد بشكل مباشر في إشعال الحروب والنزاعات. فغياب التنمية والعدالة الاقتصادية، وانتشار الفقر والبطالة، يخلق بيئة خصبة للصراعات. والشاب الذي لا يجد وظيفة ولا أملاً، يصبح وقوداً سهلاً لأي جماعة مسلحة. وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة: الفساد يولد الفقر، والفقر يولد الحرب، والحرب تعمق الفساد.
4. بصيص أمل: نماذج نجحت في المواجهة
رغم الصورة القاتمة، هناك مؤشرات طيبة. بعض الدول الأفريقية تمكنت من تقليص الفساد بنسب كبيرة بفضل تفعيل الشفافية وسيادة القانون والمحاسبة. كما أن قارتي آسيا وأمريكا الجنوبية قدمتا نماذج ناجحة لدول انطلقت نحو اقتصادات قوية بعدما واجهت آفة الفساد بحزم.
الخلاصة
الفساد لا يجلب المنفعة لعموم أبناء الدولة، بل يكرس الموارد لصالح فئة قليلة على حساب الملايين. إنه يقف اليوم كأكبر عائق أمام نهضة القارة الأفريقية. ولا سبيل للتقدم إلا بالمواجهة الجادة عبر استقلال القضاء، وتمكين أجهزة الرقابة، وإرادة سياسية حقيقية تجعل من الشفافية سلوكاً، ومن المحاسبة ثقافة. فبدون ذلك، ستظل القارة في مؤخرة الركب.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



