علاء الدين محمد أبكر يكتب: حرب المضائق البحرية.. من المنتصر ومن الخاسر؟
أعادت التلويحات الأخيرة بفرض رسوم على عبور السفن في المضائق الدولية ملف السيادة البحرية إلى واجهة الجدل القانوني والسياسي، بعد أن ألمحت إيران إلى إمكانية فرض رسوم على السفن المارة عبر مضيق هرمز. ومن حق سلطنة عُمان المطالبة هي كذلك برسوم باعتبار أن الممرات الملاحية العميقة الصالحة لعبور الناقلات تقع داخل مياهها الإقليمية.
لكنها لم تعلن ذلك، متمسكة بمبدأ أن إدارة المضيق تخضع للشراكة والتنسيق. المشهد تكرر في جنوب شرق آسيا قبل أيام عندما طرحت إندونيسيا مقترحاً لفرض رسوم في مضيق ملقا، غير أن سنغافورة وماليزيا سارعتا إلى رفض المقترح استناداً إلى الطبيعة الدولية للمضيق واتفاقيات الملاحة القائمة.
جوهر الخلاف يكمن في التمييز بين المضائق البحرية الطبيعية والممرات الصناعية. فمضيق هرمز الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان يبلغ عرضه عند أضيق نقطة 33 كيلومتراً، غير أن المسارات الصالحة لعبور الناقلات العملاقة تقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية العُمانية قبالة شبه جزيرة مسندم. ووفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فإن المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تخضع لنظام “المرور العابر” الذي يضمن حق السفن التجارية والحربية في العبور دون عوائق، ولا يجيز للدول المشاطئة فرض رسوم إلا مقابل خدمات محددة تقدم للسفينة مثل الإرشاد أو الإنقاذ أو صيانة المنارات. وبذلك فإن أي رسوم سيادية أحادية تفرض على العبور تتعارض مع العرف الدولي الذي استقر منذ عقود.
المفارقة أن إيران والولايات المتحدة، وهما طرفا التوتر الرئيسيان في الخليج، ليستا من الدول الموقعة على اتفاقية قانون البحار، رغم التزامهما بمعظم أحكامها بوصفها جزءاً من القانون الدولي العرفي. هذا الوضع يطرح تساؤلاً حول مدى أحقية الدول غير الموقعة في المطالبة بامتيازات الاتفاقية مع التهرب من التزاماتها، وهو ما يزيد من تعقيد أي محاولة لفرض رسوم في هرمز دون توافق إقليمي ودولي.
التاريخ يقدّم درساً واضحاً في هذا الملف من خلال قناة السويس. ففي 26 يوليو 1956 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس التي كانت تسيطر عليها بريطانيا وفرنسا منذ عام 1869، وأكد أن القرار قانوني وأن مصر ستدفع تعويضات للمساهمين بسعر البورصة. اعتبرت لندن وباريس القرار تهديداً لمصالحهما، فاتفقتا مع إسرائيل على خطة عسكرية عُرفت بالعدوان الثلاثي. بدأت إسرائيل الهجوم على سيناء في 29 أكتوبر 1956، ثم وجهت بريطانيا وفرنسا إنذاراً لمصر وإسرائيل بالانسحاب عشرة أميال عن القناة، وعندما رفضت القاهرة بدأ القصف الجوي للمطارات المصرية في 31 أكتوبر، وتلاه إنزال جوي وبحري في بورسعيد يوم 5 نوفمبر.
رغم التفوق العسكري للمهاجمين، فشل العدوان سياسياً. المقاومة الشعبية في بورسعيد عطلت التقدم البري وأحرجت بريطانيا أمام الرأي العام العالمي. الولايات المتحدة بقيادة أيزنهاور رفضت العملية وضغطت اقتصادياً على لندن بالتهديد ببيع سندات الجنيه الإسترليني، بينما هدد الاتحاد السوفيتي بالتدخل العسكري.
أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بوقف إطلاق النار والانسحاب الفوري. في 7 نوفمبر أوقفت بريطانيا وفرنسا العمليات، واكتمل انسحابهما في 22 ديسمبر، ولحقت بهما إسرائيل في مارس 1957. مصر خرجت من الأزمة بقناة مؤممة وسيادة كاملة على الممر، ورسوم عبور تدفع مقابل خدمة الملاحة لا مقابل الماء. درس السويس رسّخ القاعدة التي تحكم المضائق اليوم: الممرات الدولية لا تُدار بالمدفع وحده، والشرعية القانونية والدعم الدولي يهزمان التفوق العسكري.
التجارب الدولية الأخرى تؤكد القاعدة ذاتها. مضيق ملقا الذي تمر عبره نحو 40 في المئة من التجارة العالمية تشترك في الإشراف عليه إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وتربطها اتفاقية ثلاثية موقعة عام 1971 تؤكد مجانية المرور وتقصر الرسوم على الخدمات الملاحية بعد توافق الأطراف الثلاثة. مضيق البوسفور التركي يخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936 التي منحت أنقرة حق تنظيم الملاحة مع كفالة حرية مرور السفن التجارية في أوقات السلم، وتتقاضى تركيا رسوماً محدودة مقابل خدمات المنارة والإرشاد والإنقاذ دون أن تفرض رسوم عبور سيادية.
ويختلف الوضع تماماً في الممرات الصناعية التي أنشأتها الدول داخل أراضيها. قناة السويس، وقناة بنما، وقناة كيل الألمانية التي تربط بحر البلطيق ببحر الشمال، تخضع جميعها للسيادة الكاملة للدول المالكة، ويحق لها فرض رسوم عبور لأنها تقدم خدمة هندسية تتمثل في الحفر والتشغيل والصيانة، ولأن للسفن بديلاً ملاحياً وإن كان أطول. أما المضائق الطبيعية كهرمز وملقا وجبل طارق فقد أوجدتها الجغرافيا، ولا تملك أي دولة حق بيع ماء البحر أو إغلاقه.
تاريخياً بدأ ترسيم الحدود البحرية بما عُرف بـ”قاعدة مدى المدفع” التي اقترحها القانوني الهولندي كورنيليوس فان بينكرشوك في القرن السابع عشر، حيث امتدت سيادة الدولة البحرية إلى المدى الذي تصله قذيفة مدفعها من الساحل.
وكان يبلغ ثلاثة أميال بحرية. ظل هذا العرف سائداً قرابة ثلاثة قرون قبل أن تتبنى الأمم المتحدة عام 1982 نظاماً جديداً حدد المياه الإقليمية باثني عشر ميلاً، وأقر مفهوم “المرور العابر” في المضائق الدولية. ولا تزال أجزاء من الحدود البحرية في الخليج العربي غير مرسمة بشكل نهائي بين إيران والإمارات وسلطنة عُمان، وهو ما يخلق مساحات رمادية تُستغل في أوقات التوتر السياسي.
السيطرة على المضائق شكلت على مر العصور محوراً للاستراتيجيات الكبرى. بريطانيا احتلت جبل طارق عام 1704 لتأمين مدخل البحر المتوسط، ولا تزال تحتفظ به رغم المطالب الإسبانية. وسيطرت على جزر الفوكلاند لتتحكم في الممر بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وعلى قناة السويس عام 1882 لتأمين طريق الهند. والولايات المتحدة اليوم تحتفظ بالأسطول الخامس في البحرين أساساً لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام تدفق نحو 21 مليون برميل نفط يومياً.
الوضع الحالي في الخليج يدفع باتجاه ضرورة إعادة النظر في ملف الترسيم البحري. المنطقة بحاجة إلى ترسيم نهائي للحدود بين جميع الدول المتشاطئة برعاية أممية لإنهاء حالة الغموض، وإلى صياغة اتفاقية إقليمية خاصة بمضيق هرمز على غرار نموذج ملقا، تنظم الملاحة وتحدد آلية تحصيل رسوم الخدمات وتوزيعها بشفافية بين إيران وعُمان والإمارات. كما يبرز مطلب بإلحاق إيران والولايات المتحدة باتفاقية قانون البحار لتثبيت مرجعية قانونية واحدة تحكم أهم مضيق نفطي في العالم. على الصعيد العملي، عمدت دول الخليج إلى تقليل الاعتماد على هرمز عبر خطوط الأنابيب البديلة مثل خط حبشان-الفجيرة الإماراتي وخط الشرق-غرب السعودي.
إن مضيق هرمز، كغيره من المضائق الطبيعية، شريان ملاحة دولية لا يملكه بلد بمفرده. القانون والعرف استقرا على أن المرور فيه حق، والرسوم لا تكون إلا مقابل خدمة فعلية، وبالتوافق بين الدول المتشاطئة. تجربة السويس 1956 أثبتت أن الشرعية والتوافق الدولي يهزمان منطق القوة المنفردة، وأي محاولة لفرض أمر واقع أحادي في هرمز أو غيره لن تصمد أمام حقائق الجغرافيا وموازين التجارة العالمية.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com
رئيس الاتحاد العربي للاعلام الالكتروني فرع السودان



