مقالات الظهيرة

علاء الدين محمد أبكر يكتب : ترامب وجائزة نوبل الضائعة!!

تلاشت آمال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نيل جائزة نوبل للسلام لهذا العام، كما ضاعت فرصته فيها العام الماضي. ولم يتبق له في البيت الأبيض سوى عامين فقط، يراهن فيهما على معجزة سياسية تمنحه اللقب قبل أن يغادر الرئاسة نهائياً، خاصة وأن الدستور الأمريكي لن يسمح له بفرصة ثالثة.

 

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن ترامب كان أقرب ما يكون إلى الجائزة، لولا أن اشتعلت جبهة جديدة في الشرق الأوسط حملت اسمه هذه المرة: “الحرب ضد إيران”. بدأت الجولة الأولى من المواجهة مع طهران في يونيو 2025. كانت ضربة سريعة وعنيفة، لكنها لم تحسم شيئاً. ثم عادت الحرب في فبراير 2026 هذه المرة بشكل أوسع وأفظع. وفي الساعات الأولى سقط رأس النظام الديني في إيران: المرشد الأعلى علي خامنئي. وكان يُفترض وفق الحسابات الأمريكية أن تسقط طهران معه، لكن لم يحدث. إيران لم تنكسر، بل صمدت.

 

وهنا انكشف الخطأ الاستراتيجي الأكبر لواشنطن. فقد تعاملت مع الملف الإيراني بمنطق “العراق 2003″، بنفس السيناريو ونفس التقديرات ونفس الثقة في أن إسقاط الرأس يعني انهيار الجسد. لكنهم نسوا فرقاً جوهرياً: صدام حسين كان حاكماً ديكتاتورياً لنظام سياسي، أما إيران فيحكمها مشروع ديني عقائدي متجذر منذ 44 عاماً. وأربعة وأربعون عاماً كافية لخلق جيلين كاملين يؤمنون بولاية الفقيه وينتظرون “المهدي المنتظر”، ويرون في الصمود ضد أمريكا عبادة. النظام الإيراني ليس أشخاصاً يمكن اغتيالهم، بل هو فكرة، والفكرة لا تموت بضربة جوية.

 

المفارقة أن الولايات المتحدة دخلت الحرب بشعار واحد واضح: منع إيران من امتلاك السلاح النووي. واليوم وبعد شهور من القتال والخسائر وجدت نفسها تجلس على طاولة مفاوضات غير مباشرة هدفها ليس النووي، بل “فتح مضيق هرمز” وتأمين الملاحة. وهذا التراجع الدراماتيكي كلف واشنطن غالياً، فكل يوم تأخير وكل تصريح متذبذب من البيت الأبيض يمنح طهران مزيداً من الثقة، ويمنح أذرعها في المنطقة مزيداً من الجرأة.

 

والأخطر أن حلفاء أمريكا التاريخيين بدأوا يتصرفون كأن واشنطن غير موجودة. المملكة العربية السعودية كانت الأوضح. بعد أن شاهدت الحوثيين يستهدفون منشآتها النفطية في البحر الأحمر وخليج عدن دون رد أمريكي حاسم، اقتنعت بأن مظلة الحماية الأمريكية مثقوبة. فسارعت الرياض لتأسيس تحالف إقليمي جديد يضم باكستان وتركيا، قائم على فكرة “احمِ نفسك بنفسك”. وحتى مصر دخلت على الخط بعد استهداف منشأة نفطية في دمياط بطائرة مسيرة مجهولة المصدر، في رسالة واضحة أن النار اقتربت من الجميع.

 

الآن يقف ترامب أمام خيارين أحلاهما مر. الأول هو التصعيد الكامل: غزو بري لإيران لإسقاط النظام بالكامل. لكن هذا يحتاج إلى تحالف دولي وإلى سنوات من الإعداد اللوجستي والعسكري والسياسي، وحين تكتمل التجهيزات سيكون ترامب قد أصبح رئيساً سابقاً. والثاني هو خيار التفاوض والسلام، لكن أي سلام مع إيران؟ طهران لن تتخلى عن برنامجها النووي، ولن تتخلى عن حزب الله في لبنان ولا عن أنصار الله في اليمن. وهذه هي “خطوطها الحمراء العقائدية”. وقبول أمريكا وإسرائيل بذلك يعني عملياً الاعتراف بإيران قوة إقليمية نووية، وهذا ينسف كل ما حاربت من أجله.

 

بالمختصر المفيد، جائزة نوبل للسلام ابتعدت عن دونالد ترامب هذا العام، وستبتعد العام القادم أيضاً. لأن الأزمة مع إيران ليست أزمة لحظة أو قرار. هي أزمة تاريخ وجذور وهوية وعقيدة. وإذا لم تُحل اليوم بحكمة، فستنتقل بكل تعقيداتها إلى الإدارة الأمريكية القادمة، وستبقى وصمة في سجل من حلم بالسلام فوجد نفسه غارقاً في حرب لم يحسب لها حساباً.

 

علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى