مقالات الظهيرة

رصاصة الجمارك: كيف يطلق الدولار الجمركي النار على قدم الاقتصاد السوداني

د. محمد عوض محمد متولي:

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

إن الاقتصاد علم حقائق لا علم نوايا، والقرار الاقتصادي إما أن يكون ضمادة على جرح نازف أو خنجراً جديداً في خاصرة وطن منهك. وما بين الضمادة والخنجر تقف السياسة الجمركية اليوم في السودان، عارية من أي غطاء علمي، مكشوفة أمام رياح السوق الموازية، تصدر قراراتها وكأنها في معزل عن حرب وجودية تأكل الأخضر واليابس.

يوم السبت الماضي الموافق 20 يونيو 2026م ، أعلنت هيئة الجمارك السودانية زيادة جديدة في سعر الدولار الجمركي بنسبة 3.5%، ليرتفع من 3395.97 جنيه إلى 3517.89 جنيه، بزيادة قدرها 121.92 جنيه دفعة واحدة.

القرار في ظاهره رقم صغير، وفي باطنه زلزال يضرب آخر ما تبقى من توازنات معيشية هشة. هذه ليست زيادة عابرة، بل هي الثالثة خلال عام 2026م فقط، بعد أن قفز السعر إلى 3222.8 جنيه في أبريل، ثم إلى 3395 جنيه في مايو، ليصل الآن إلى 3517.89 جنيه في يونيو. بل إن بعض المصادر الموثوقة تؤكد أنها الزيادة العاشرة منذ مطلع العام، بعد أن تم تعديله تسع مرات من يناير 2025م حتى أبريل 2026م بزيادة تراكمية بلغت 61%.

ومنذ تحريره في يونيو 2021م ارتفع الدولار الجمركي أكثر من 11 ألف بالمئة، من 28 جنيهاً إلى 3517 جنيهاً اليوم، في مسيرة صعود جنونية لا تعترف بمنطق ولا تستند إلى نظرية.

السؤال الجوهري الذي يتهرب منه صانع القرار هو: ما هو الدولار الجمركي أصلاً؟ هو ببساطة سعر الصرف الذي تستخدمه الجمارك لتقييم السلع المستوردة بالجنيه السوداني، ومن ثم حساب الرسوم والضرائب عليها.

يحدده البنك المركزي ووزارة المالية وبنك السودان بناءً على متوسط سعر الصرف الرسمي والموازي. إذن هو ليس عملة يتم تداولها، بل معامل حسابي يتحول فوراً إلى تكلفة يدفعها المستورد، ثم التاجر، ثم المواطن الأخير في السلسلة.

وعندما ترفع هذا المعامل 3.5%، فأنت لا ترفع رقماً في دفاتر الجمارك، بل ترفع سعر الخبز والدواء والوقود وقطع الغيار ومدخلات الزراعة والصناعة. التبرير الرسمي للزيادة هو مواكبة ارتفاع أسعار العملات الأجنبية في السوق الموازية، وتقليل خسائر الإيرادات الجمركية، والحد من التهرب الناتج عن فروقات الأسعار. لكن هذا التبرير يسقط عند أول اختبار للواقع. فالدولار في السوق الموازية تجاوز بالفعل حاجز 4000 جنيه للمرة الأولى، أي أن الفجوة بين السعر الجمركي الجديد 3517 جنيه والسعر الموازي ما زالت تتسع وتبلغ 483 جنيهاً، ما يعني أن الزيادة لم تلحق بالسوق بل تلهث خلفها.

والأخطر أن هذه السياسة تتحول إلى حلقة مفرغة: كلما رفعوا الدولار الجمركي، ارتفعت الأسعار، فارتفع التضخم، فانهار الجنيه أكثر، فاضطرت السلطات لرفع الدولار الجمركي مجدداً. نحن أمام نموذج كلاسيكي لما يسمى في الأدبيات الاقتصادية “وهم الإيرادات”، حيث تعتقد الحكومة أنها تزيد الحصيلة، بينما هي في الحقيقة تذبح القاعدة الإنتاجية التي تأتي منها الحصيلة أصلاً.

والتجربة الدولية شاهدة على فداحة هذا المسلك. لبنان حين رفع الدولار الجمركي من 1500 ليرة إلى 15000 ليرة في ديسمبر 2022م، أي عشرة أضعاف دفعة واحدة، قفز معدل التضخم من 142% إلى 171% خلال أربعة أشهر فقط، وانهارت القدرة الشرائية للرواتب بنسبة 63%، وتحولت الأسواق إلى ركود تضخمي لم تخرج منه حتى اليوم. في المقابل،

مصر حين واجهت أزمة مشابهة بين 2016 و2023م، لم تعالجها بالرفع الأعمى، بل حررت الدولار الجمركي تدريجياً مع تخفيض فئات السلع الأساسية والدواء ومدخلات الإنتاج إلى 2% فقط، فاستقر التضخم عند 35% رغم تحرير العملة، وحافظت على نمو صناعي موجب 4.1%. الدرس واضح: الدول التي تستخدم الدولار الجمركي كسوط جباية تسقط، والدول التي تستخدمه كأداة حماية اجتماعية واقتصادية تنجو.

لنقرأ الأثر بالأرقام لا بالعواطف. السودان يستورد ما قيمته 9.2 مليار دولار سنوياً وفق تقديرات 2025م، تشكل السلع الغذائية منها 28% بقيمة 2.57 مليار دولار، والأدوية 11% بقيمة 1.01 مليار دولار، ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي 19% بقيمة 1.74 مليار دولار، والمشتقات البترولية 22% بقيمة 2.02 مليار دولار. عندما ترفع الدولار الجمركي 3.5%.

فإنك تضيف تلقائياً 322 مليون دولار كتكلفة نظرية على فاتورة الواردات، أي ما يعادل 1.13 تريليون جنيه بسعر الصرف الجديد. هذه التريليون لا تدفعها الحكومة، بل تدفعها منشآت القطاع الخاص التي دمرت الحرب 63% من أصولها الرأسمالية، ثم يمررها القطاع الخاص إلى المستهلك الذي فقد 71% من قدرته الشرائية منذ أبريل 2023. التقيت الأسبوع الماضي صاحب مصنع دواء في المنطقة الصناعية سوبا، وقد دمر القصف نصف خطوط إنتاجه، قال لي وهو يقلب فاتورة شحنة مواد خام: “كنت أدفع 340 مليون جنيه جمارك على هذه الشحنة، اليوم سأدفع 352 مليون جنيه. هذه الاثني عشر مليوناً هي رواتب أربعين عاملاً من عمالي لشهر كامل. أختار بين الدواء وبين أسرهم”. هذا هو المعنى الحقيقي للـ 3.5%. والنتيجة الحتمية هي أن معدل التضخم الذي لامس 157% في مايو 2026م مرشح للقفز إلى 189%

بنهاية الربع الثالث إذا استمر هذا النهج. أما الدخل الحقيقي للمواطن، فسينخفض بنسبة 4.7% إضافية خلال 90 يوماً، لأن 82% من سلة الاستهلاك السودانية هي سلع مستوردة أو تعتمد على مدخلات مستوردة. هاشم الفاضل، أمين المال السابق بالغرفة القومية للمستوردين، وصف الزيادة بأنها “كارثية” وحمّل وزارة المالية المسؤولية الكاملة. والغرفة نفسها حذرت من أن هذه السياسة تضاعف تدهور الجنيه وتضيق على معاش الناس، خاصة أن الدولار الجمركي تم تعديله تسع مرات خلال 16 شهراً فقط.

إن ما يسمى “زيادة إيرادات” هو في حقيقته تبديد للفرص. التريليون جنيه التي ستحصلها الجمارك من هذه الزيادة كان يمكن أن تشتري 280 ألف طن من القمح تكفي البلاد أربعين يوماً، أو تستورد 14 ألف طن من أدوية السرطان والكلى والسكري تغطي حاجة ستة أشهر، أو توفر سماداً لمليون فدان في مشروع الجزيرة. هذه هي كلفة الفرصة البديلة التي لا يراها من يوقع القرار. الخطأ الاستراتيجي القاتل في هذا القرار أنه يتجاهل ثلاث حقائق بنيوية. الحقيقة الأولى أن الاقتصاد السوداني يمر بمرحلة “إعادة

إعمار ما بعد الحرب”، وهي مرحلة تتطلب بالضرورة تخفيض تكاليف مدخلات الإنتاج لا زيادتها، وتسهيل استيراد الآلات والمواد الخام لا تعقيدها. كيف نطلب من مزارع في مشروع الجزيرة أن ينهض ومحراته المستورد زاد سعره 121 جنيهاً في كل دولار جمركي، والسماد زاد، والمبيد زاد، والوقود زاد؟ الحقيقة الثانية أن القطاع الصناعي السوداني يعمل حالياً بـ 31% فقط من طاقته التصميمية، و65% من مصانع الأدوية متوقفة بسبب عدم قدرتها على استيراد المواد الخام. رفع الدولار الجمركي يعني إصدار شهادة وفاة لما تبقى من صناعة تحويلية. الحقيقة

الثالثة أن الميزان التجاري يسجل عجزاً مزمناً بلغ 6.8 مليار دولار في 2025م، وعلاج العجز لا يكون بزيادة تكلفة الواردات الضرورية، بل بخفضها وتحفيز الصادرات.

لكن كيف نحفز الصادرات ومدخلاتها من تعبئة وتغليف ونقل ارتفعت بسبب القرار نفسه؟ نحن أمام مفارقة أن القرار الذي يستهدف زيادة الإيرادات الجمركية بمليار جنيه قد يكلف الموازنة 4 مليارات جنيه خسائر في ضرائب الإنتاج وضريبة القيمة المضافة بسبب الركود الذي سيسببه.

لذلك فإن ما تحتاجه البلاد ليس زيادة في الدولار الجمركي، بل نسف كامل لفلسفته. الدولار الجمركي في شكله الحالي أداة جباية عمياء لا ترى فرقاً بين استيراد دواء لإنقاذ حياة واستيراد سيارة فارهة. وهذا قمة اللاعقلانية الاقتصادية. وعليه، فإن الرؤية الاستراتيجية الاستشرافية التي نضعها أمام متخذ

القرار تقوم على خمسة محاور تنفيذية واضحة، يصدرها مجلس السيادة بتوصية من رئيس الوزراء خلال سبعة أيام، وتنفذها وزارة المالية والاقتصاد الوطني وبنك السودان وهيئة الجمارك خلال 45 يوماً، بآليات رقابة من المراجع العام ومشاركة اتحاد أصحاب العمل، على أن يظهر أثرها على معدل التضخم خلال 90 يوماً من التنفيذ.

المحور الأول هو الإلغاء الفوري للدولار الجمركي الموحد، والانتقال إلى نظام “الدولار الجمركي التفضيلي الثلاثي”. بموجبه تصبح هناك ثلاث فئات: فئة 5% للسلع الاستراتيجية المحددة بقائمة وهي الدواء والقمح والمدخلات الزراعية والصناعية وقطع غيار الإنتاج. فئة 15% للسلع الوسيطة والكمالية المعقولة. فئة 25% كحد أقصى للسلع الكمالية المستفزة والسيارات فوق 2000 سي سي والتبغ.

هذا التقسيم وحده سيخفض تكلفة سلة الغذاء والدواء بنسبة 18.6% فوراً، دون أن يؤثر على إيرادات السلع الكمالية. آلية التنفيذ تبدأ بقرار من وزير المالية بتجميد السعر الحالي 3517 جنيه، ثم تشكيل لجنة فنية من الجمارك وبنك السودان ووزارة التجارة لوضع قوائم السلع خلال 10 أيام من صدور القرار، وربط النظام بشبكة إلكترونية تمنع التلاعب في التصنيف على أن يكتمل الربط خلال 30 يوماً.

المحور الثاني هو ربط أي تعديل مستقبلي في الدولار الجمركي بمؤشر “تكلفة المعيشة الحقيقية” وليس بسعر السوق الموازية. يجب أن تصدر وزارة المالية معادلة معلنة تقول إن الدولار الجمركي لا يجوز أن يتجاوز 85% من متوسط سعر الصرف في السوق الموازية خلال 30 يوماً، ولا يجوز تعديله إلا إذا

تجاوز التضخم 10% في شهر واحد. هذا يمنع القرارات المزاجية ويخلق قابلية للتنبؤ عند المستثمرين. الجهة المنفذة هي إدارة السياسات بوزارة المالية، وآلية التنفيذ هي نشر المؤشر أسبوعياً في موقع الوزارة ابتداءً من الأسبوع الثاني بعد إقرار السياسة.

المحور الثالث هو تخصيص 40% من الإيرادات الجمركية الإضافية الناتجة عن أي زيادة مستقبلية لصندوق “دعم الإنتاج المحلي”. هذا الصندوق يمول مباشرة استيراد مدخلات الزراعة والصناعة للمشاريع المتوسطة والصغيرة بضمان بنك السودان. بمعنى أننا نحول جزءاً من عبء الجمارك إلى دعم للإنتاج، فتكون المحصلة صفرية على المنتج. يصدر القرار من مجلس الوزراء خلال 14 يوماً، وينفذه بنك السودان عبر نافذة تمويلية خاصة تبدأ عملها خلال 45 يوماً، وتراقبه لجنة من اتحاد الغرف الصناعية والزراعية ترفع تقريرها شهرياً.

المحور الرابع هو تعليق كامل للرسم الإضافي على الواردات لمدة عامين، وهو رسم يتراوح بين 3% و10% فُرض دون قانون في 2022م. إلغاؤه سيعوض أثر زيادة الدولار الجمركي الأخيرة بنسبة 60%، ويعطي إشارة ثقة للسوق. التنفيذ بقرار وزير المالية، ويُنشر في الجريدة الرسمية خلال 72 ساعة من إجازة الحزمة، ويبدأ سريانه فور النشر.

المحور الخامس هو إطلاق “النافذة الخضراء الجمركية” لإعادة الإعمار. كل آلة أو مادة خام تدخل لمشروع متضرر من الحرب في ولايات الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان تُعفى من 50% من الرسوم الجمركية المحسوبة بالدولار الجمركي، لمدة ثلاث سنوات. هذا يحفز رأس المال الوطني والأجنبي على العودة. يصدره مجلس السيادة خلال 7 أيام، وتنفذه هيئة الجمارك عبر شهادة “مشروع متضرر” تصدرها وزارة الصناعة خلال 48 ساعة من الطلب، على أن تبدأ النافذة عملها خلال 20 يوماً من القرار.

إن شعباً عانى من حرب الدعم السريع الاستئصالية، وحرب الفساد التي ترجح الولاء على الكفاءة، وحرب النخب التي تبيع الوطن بدراهم معدودة، لا يستحق أن يُحارب أيضاً من وزارة ماليته. القرارات الاقتصادية ليست ترفاً بيروقراطياً، بل هي رصاصة إما أن تصيب العدو أو تصيب قدمك. والدولار الجمركي اليوم هو رصاصة أطلقناها على قدم الاقتصاد السوداني، فأقعدناه عن السير نحو التعافي. أما آن لهذه الفوضى أن تنتهي؟ أما آن لهذه النكسة أن تُفهم؟ التاريخ لا يرحم من يصر على الإبداع في الفشل.
____________
*دكتور . محمد عوض محمد متولي*
*الخبير الاقتصادي المشارك – مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*
*الخرطوم –21 يونيو 2026م*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى