مقالات الظهيرة

(دبابيس حارة) عثمان يونس يكتب.. نزيف ومجزرة المرة!! 

المرة وأم سعدون الشريف والرضة قرى تمتد على سهول كردفان، وتشبه الطمأنينة حين تعبرها في طريقك إلى طيبة الزعيتير، وأنت تمضي نحو مناطق دار حامد الشمالية؛ أم سعدون الناظر، القاعة، دميرة، الكوكبتي وشرشار.

مناطق تكسوها القيزان الرملية الناصعة، ويعيش أهلها على الرعي والزراعة والتجارة، ببساطة الفطرة وصفاء القلوب، يتقاسمون الأفراح والأحزان كأنهم أسرة واحدة لا تفرقها الأيام.

لم يعرف أهل تلك القرى سوى الكرم وستر الحال والتعايش الآمن، حتى جاءت يد الغدر تحمل وجه الحرب القبيح، وتفتح أبواب الجحيم على أناس لا ذنب لهم سوى أنهم تمسكوا بأرضهم وحياتهم البسيطة.

في اليوم الثاني من عيد الأضحى المبارك، وبينما كانت البيوت تستعد لزفاف عدد من أبناء المنطقة، وكانت الزغاريد تتسلل من  البيوت تحت سماء العيد، لم يكن أحد يتخيل أن صباح الفرح سيتحول خلال لحظات إلى مأتم مفتوح، وأن العرسان الذين انتظروا ليلة العمر ستسبقهم أرواحهم إلى السماء، وأن الزفة التي تهيأت لها القرى ستصبح موكبا للشهداء.

فجأة تبدل كل شيء. دوت أصوات المدافع بعنف، وتساقطت الدانات على البيوت الآمنة كالمطر، وارتجفت الأرض تحت أقدام الجميع. اختلطت صرخات الفزعة بأصوات الرصاص، وتحولت ساحات الأفراح إلى مشاهد دامية، بعدما فوجئ المواطنون البسطاء بالموت وهو يقتحم عليهم نهار العيد بلا رحمة.

كان المشهد أكبر من قدرة الناس على الاحتمال؛ قرى بأكملها ترتجف تحت وطأة الرعب، وكأن الموت قرر أن يستقر هناك لساعات طويلة دون أن يجد من يوقفه.

هكذا تمارس المليشيا المتمردة نهجها المعتاد في القتل والسحل والحرق والترويع، دون اعتبار لقيم الدين أو حرمة الإنسان أو قدسية الأعياد. فما جرى في المرة وأم سعدون الشريف والرضة لم يكن حادثا معزولا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي ضربت قرى دار الريح، من شق النوم إلى حلة حامد وغيرها من المناطق التي دفعت ثمن الحرب باهظا.

قدمت المرة خيرة شبابها شهداء وهم يواجهون الموت بصدور عارية، لكنهم لم يتراجعوا حين أصبح الدفاع عن الأهل والعرض والأرض واجبا مقدسا لا يحتمل التردد. رحلوا واقفين كالأشجار الصلبة، تاركين خلفهم وجعا ثقيلا في قلوب الأمهات والآباء، ودموعا لن تجف بسهولة، وذكريات ستظل محفورة في ذاكرة المكان لسنوات طويلة.

نزفت دار الريح كأنها لم تنزف من قبل، وأصبح الناس هناك يشعرون بأنهم يعيشون نسخة جديدة من مآسي ود النورة والهلالية وغيرها من المدن والقرى التي لم تعرف يوما طعم الخوف والخذلان. النزيف مستمر، والوجع يكبر، والمواطن البسيط يظل هو الضحية الأولى في هذه الحرب القاسية.

إن النداء اليوم موجه إلى أبناء كردفان الكبرى، وإلى كل من يحمل في قلبه ذرة وفاء لهذه الأرض: هبوا لنجدة الأهل، وتداعوا للفزعة الكبرى من أجل تطهير أرض كردفان من دنس الحرب والخراب.

وكونوا عونا لمن فقدوا الأمن والمأوى والسكينة. فالأرض التي ارتوت بدماء الأبرياء تنادي أبناءها اليوم، والوجع الذي يسكن أهل دار الريح وكردفان أكبر من أن يترك وحيدا في مواجهة الموت والخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى