د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… هل نعيش عهد حكومة الجزر المعزولة؟

قرارات تصدر.. ثم تُراجع.. ثم تُعدّل.. ثم يُتراجع عنها.. فمن يدفع ثمن هذا الارتباك؟
صدور القرار ليس هو المشكلة دائماً، فالحكومات من حقها أن تتخذ ما تراه مناسباً للظروف الاقتصادية والسياسية، ومن حقها أيضاً أن تراجع قراراتها إذا ظهرت مستجدات.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التراجع والمراجعة والتعديل والإلغاء هو القاعدة، ويصبح القرار الحكومي أقرب إلى تجربة يجري اختبارها على المواطن والسوق.
صدر قرار بحظر استيراد 42 سلعة، من بينها الأرز والعدس والفول، ثم جرى التراجع عن حظر السلع الغذائية، ثم عادت الحكومة مؤخراً إلى حظر استيراد الفول المصري.
وقِس على ذلك قرارات أخرى صدرت من البنك المركزي ووزارة الطاقة وغيرها من مؤسسات الدولة؛ قرارات تتغير، وتُعدّل، ويُعاد النظر فيها خلال فترات قصيرة، بما يجعل المواطن والتاجر والمستثمر لا يعرفون على أي أرض يقفون.
فماذا يعني هذا؟
يعني ببساطة أن هناك فجوة بين صناعة القرار ودراسة آثاره قبل إصداره.
القرار الاقتصادي ليس تصريحاً عابراً يمكن أن يُقال اليوم ويُنسى غداً. وراء كل قرار مستوردٌ أو منتجٌ وتاجرٌ ومستهلكٌ ومصنعٌ وعاملٌ ورأس مال، وهناك أسعار وسلاسل إمداد والتزامات تعاقدية وآثار على النقد الأجنبي.
ولهذا فإن القرار الذي يصدر دون دراسة كافية قد يخلق مشكلة جديدة بدلاً من أن يحل المشكلة التي صدر من أجلها.
والأخطر من ذلك أن تكرار التراجع عن القرارات يهز الثقة في القرار نفسه.
كيف يخطط المستثمر إذا كان لا يعرف ما إذا كان القرار سيبقى أسبوعاً أم شهراً أم عدة أشهر؟
وكيف يضع التاجر حساباته إذا كان الحظر يمكن أن يعود بعد رفعه؟
وكيف يمكن للمواطن أن يثق في السياسات الاقتصادية إذا أصبح عليه أن ينتظر دائماً النسخة التالية من القرار؟
لقد وصل الأمر إلى أن أصبحت بعض القرارات الحكومية مادة للتندر والسخرية في وسائل التواصل الاجتماعي، وتناولت المقاطع الساخرة أداء الحكومة، بل طالت رئيس الوزراء نفسه.
وهنا نصل إلى منطقة لا ينبغي الاستهانة بها.
شر البلية ما يضحك.
فالسوداني الذي تحمل الحرب والنزوح وارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات وشح السيولة وتراجع قيمة العملة، لا يملك ترف أن تتحول السياسات الاقتصادية إلى سلسلة من التجارب غير المحسوبة.
هذا الشعب صبر كثيراً، وما زال يتمسك بالأمل في الإصلاح.
لكنه يحتاج إلى حكومة تمنحه الاستقرار في القرار، والوضوح في السياسات، والقدرة على التنبؤ بما هو قادم.
لسنا بحاجة إلى حكومة تعيش كل وزارة فيها في جزيرة منفصلة عن الأخرى، فيصدر قرار هنا ثم تظهر آثاره هناك، فتبدأ وزارة أخرى في معالجة النتائج بقرار جديد، ثم نعود إلى القرار الأول بالتعديل أو الإلغاء.
الدولة لا تُدار بالجزر المعزولة.
نحتاج إلى مركز لصناعة القرار الاقتصادي، وإلى تنسيق حقيقي بين الوزارات والبنك المركزي، وإلى دراسات أثر واضحة قبل إصدار القرارات، وإلى مراجعة دورية تقوم على الأرقام لا على ردود الأفعال.
وإذا كان القرار ضرورياً، فليصدر واضحاً ومحدداً، مع أسبابه ومدته وآثاره المتوقعة.
وإذا ثبت خطؤه، فليكن التراجع عنه شجاعاً ومعلناً ومبنياً على أسباب واضحة.
أما أن يصبح المواطن كل صباح أمام قرار جديد، وكل مساء أمام تعديل جديد، فهذه ليست سياسة اقتصادية مستقرة.
يا حكومة الأمل.. الشعب لا يطلب المستحيل.
إنه فقط يريد أن يعرف: إلى أين تتجهون؟
فقد أنهكته الحرب، فلا تزيدوا عليه إرباك القرارات.
فالاقتصاد يحتاج إلى علاج، نعم، لكنه يحتاج قبل العلاج إلى تشخيص دقيق.
والشعب يحتاج إلى الأمل، نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يرى أن قرارات حكومته تُصنع داخل مؤسسات الدولة، لا فوق رؤوس المواطنين.
احموا ما تبقى من الثقة.. ولا ترشوا الملح على الجرح النازف.



