مقالات الظهيرة

(على بلاطة) مساعد شرطة فني/ عبير دفع الله عزالدين تكتب: مسرح الجريمة…بين الفضول وحماية الحقيقة

مسرح الجريمة ليس مجرد مكان وقعت فيه حادثة، بل هو مساحة تحمل تفاصيل قد تقود الى الحقيقة. اثار صغيرة، بصمة، اثر قدم، قطعة ملابس او حتى ترتيب الاشياء في المكان، كلها قد تكون خيوطا مهمة تساعد رجال الشرطة والادلة الجنائية في معرفة ما حدث.

 

لكن هذه التفاصيل قد تضيع في لحظات اذا لم نتعامل مع المكان بالوعي المطلوب.

عندما تقع جريمة او حادثة، يكون الفضول اول ما يدفع الناس الى الاقتراب. يتجمع البعض حول المكان، يدخل اخرون بدافع المعرفة، وقد يقوم احدهم بتحريك شيء او التقاطه او تنظيف المكان دون ان يدرك ان ما يفعله قد يغير مسار التحقيق.

 

مسرح الجريمة ليس مكانا للمشاهدة، ولا مساحة للفضول، ولا موقعا لتصوير التفاصيل ونشرها. هو مكان يحتاج الى الحذر، لان كل حركة فيه قد تترك اثرا، وكل اثر قد يحمل معلومة.

ولهذا فان اول ما ينبغي فعله عند اكتشاف جريمة هو الابتعاد عن المكان وعدم الدخول اليه او لمس اي شيء فيه، وابلاغ الشرطة والجهات المختصة في اسرع وقت. فالابلاغ المبكر يساعد على وصول المختصين والمحافظة على المكان قبل ان تتغير معالمه.

 

وقد يعتقد البعض ان تحريك غرض او فتح باب او الاقتراب من مكان الحادث امر بسيط، لكنه قد يؤثر على الادلة الموجودة. فالبصمات والاثار والمواد الدقيقة قد لا ترى بالعين، لكنها قد تكون ذات قيمة كبيرة امام خبراء الادلة الجنائية.

حتى النوايا الحسنة تحتاج الى وعي. قد يحاول شخص مساعدة مصاب، او ابعاد شيء عن الطريق، او حماية المكان من تجمع الناس، لكن في الحالات التي لا تستدعي تدخلا مباشرا لانقاذ حياة، الافضل ترك المكان كما هو وانتظار الجهات المختصة.

 

والتصوير ايضا يحتاج الى مسؤولية. تصوير مسرح الجريمة ونشر الصور والمعلومات عبر وسائل التواصل قد يضر بالتحقيق، وقد ينتهك خصوصية الضحايا وذويهم، كما يمكن ان يفتح الباب امام الشائعات والاستنتاجات الخاطئة.

ومن المهم ايضا عدم العبث بممتلكات الضحية او المشتبه به او اي اغراض موجودة في المكان، وعدم محاولة البحث عن الادلة او جمعها بصورة شخصية.

فمهمة الوصول الى الحقيقة تقع على عاتق الجهات المختصة التي تملك المعرفة والوسائل والاجراءات اللازمة للتعامل مع مسرح الجريمة.

وفي المقابل، يمكن للمواطن ان يكون شريكا مهما في حماية الحقيقة. دوره يبدأ بالابلاغ، ثم المحافظة على المكان، وابعاد الفضوليين قدر الامكان وتقديم ما شاهده او يعرفه للشرطة بوضوح ودون زيادة او تخمين.

 

مسرح الجريمة يتحدث بلغة الاثار والتفاصيل. وكلما حافظنا على هذه التفاصيل، منحنا العدالة فرصة اكبر للوصول الى الحقيقة.

لذلك عندما تقع جريمة، لا تجعل فضولك يسبق وعيك. لا تدخل، لا تلمس، لا تحرك، لا تصور ولا تنشر. ابتعد ..بلغ وانتظر المختصين.

فقد تكون هناك بصمة لا نراها، او اثر صغير لا ننتبه اليه، او تفصيل يبدو عاديا لكنه يحمل مفتاح الحقيقة.

مسرح الجريمة ليس مكانا للفضول.. انه مكان تتحدث فيه التفاصيل، فلنتركها تتحدث.

 

*ودمدني _الاحد ٤ أكتوبر ٢٠٢٦م*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى