د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الشكوى لغير الله مذلة…حين تسقط القيم… لا يحمي الأوطان إلا تماسك جبهتها الداخلية وقوة اقتصادها!!

«الشكوى لغير الله مذلة»… مثل عميق الدلالة، يستحق أن نتوقف عنده طويلاً ونحن نتابع ما يجري في عالم سقطت فيه ثوابت كثيرة، وتراجعت فيه القيم والأخلاقيات أمام المصالح المشتركة، وصار المال السياسي قادراً على شراء المواقف وتبديلها بين ليلة وضحاها.
في عالم كهذا، لا ينبغي للسودان أن يعلّق مصيره على شكوى هنا أو استغاثة هناك، ولا أن ينتظر الإنصاف ممن تحكمهم المصالح، لا المبادئ، وتحرّكهم الحسابات، لا معاناة الشعوب.
فما جدوى الشكوى إلى الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو الجامعة العربية، إذا كانت هذه المنظمات عاجزة عن اتخاذ مواقف حاسمة، بينما تتداخل مصالح بعض القوى النافذة فيها مع مصالح الأطراف المتورطة في أزمات المنطقة؟
لقد حوصرت الفاشر لأكثر من ثمانية عشر شهراً، وظل المدنيون يدفعون الثمن من أرواحهم وأمنهم وكرامتهم، دون استجابة دولية تتناسب مع حجم المأساة. وحين سقطت المدينة واستبيحت، ارتفعت الدعوات إلى الهدنة، وكأن حماية المدنيين لا تستحق التحرك إلا بعد وقوع الكارثة!
وتدمّر المسيرات محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية في السودان، فيُترك السؤال الأهم بلا إجابة حاسمة: كيف تحصل المليشيات على هذه الأسلحة المتطورة؟ ومن يمدّها بها؟ ومن يحاسب الجهات التي تساهم في إطالة أمد الحرب وتدمير مقدرات الشعب السوداني؟
إن ازدواجية المعايير لم تعد استثناءً في السياسة الدولية، بل أصبحت واقعاً يفرض على السودان مراجعة حساباته، والاعتماد على قدراته، وعدم رهن مستقبله لوعود الخارج.
لسنا دعاة عزلة عن العالم، ولا نرفض التعاون مع الأشقاء والأصدقاء، ولكننا نرفض أن يكون قرارنا الوطني رهينة لمصالح الآخرين، أو أن ننتظر من الخارج ما نستطيع أن نصنعه بإرادتنا ووحدتنا.
الحل يبدأ من الداخل؛ بتقوية الجبهة الوطنية، وتوحيد الصف، وتجاوز الخلافات الصغيرة أمام الخطر الكبير الذي يهدد الوطن. ويبدأ كذلك ببناء اقتصاد منتج يعتمد على الذات، ويتدرج نحو الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والطاقة، ويستثمر موارد البلاد الهائلة بدلاً من تركها معطلة أو تصديرها خاماً ثم استيرادها في صورة منتجات مصنّعة بأضعاف تكلفتها.
السودان ليس بلداً فقيراً في موارده، بل بلد غني بأرضه ومياهه وثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية، وبقدرات شعبه وخبراته. وما ينقصه هو حسن الإدارة، والإرادة السياسية، والتخطيط العلمي، ومحاربة الفساد، وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والتنمية.
إن بناء المصانع، واستصلاح الأراضي، وتوطين صناعة الدواء، وتطوير الطاقة الشمسية، ودعم المنتجين، وفتح المجال أمام القطاع الخاص، ليست مجرد خيارات اقتصادية، بل هي ركائز أساسية لاستقلال القرار الوطني وحماية مستقبل الأجيال.
فالدولة التي لا تنتج غذاءها ودواءها، ولا تملك مقومات حماية منشآتها الحيوية، تظل عرضة للابتزاز والضغط مهما امتلكت من ثروات.
لقد آن الأوان لندرك أن قوة السودان لا تُستجدى من الخارج، بل تُبنى من الداخل؛ بوحدة شعبه، وصلابة مؤسساته، وقوة اقتصاده، وعدالة توزيع موارده.
ولن نغلق أبوابنا أمام العالم، ولكننا لن ننتظر أن يفتح لنا أحد أبواب الخلاص.
الشكوى لغير الله مذلة، والاعتماد على الذات قوة، والوحدة الوطنية طريق النجاة.
ومن سار على الدرب وصل.



