جهاز المخابرات العامة… في الليلة الظلماء يفتقد البدر
الظهيرة- الفاتح داؤود:
بلاشك فإن الغياب القسري لجهاز المخابرات العامة السودانية عن مشهد ما بعد الثورة في تجالياته الاستخبارية،قد احال فضاء السودان الي ساحة مفتوحة للصراع والتنافس بين وكالات المخابرات الإقليمية والدولية.
التي استباحت مؤسسات الدولة السودانية واخترقت امنها القومي بصورة فوضوية سافرة ،حتي اصبحت السفارات الإقليمية والدولية هي من يتحكم في عملية صناعة القرار الوطني.
بعد أن ادركت تلك الدوائر أن جهاز المخابرات السودانية الذي كانت يعد الاقوي علي مستوي الإقليم، قد اصبح بفعل الدمار الممنهج منزوع المخالب والاظافر والاسنان،بعد أن تم تجريده من كل مصادر القوة المادية والمعنوية التي تم التمهيد لها عبر عمليات الشيطنة الاعلامية وكشوفات الاحالات الانتقائية.
ونسج خيوط التامر التي إنتهت بحل هيئة العمليات المتخصصة في حرب المدن ومكافحة الإرهاب، حتي أكتملت تلك الحلقات بتعديل قانون الجهاز الذي جرد المؤسسة من كل السلطات والصلاحيات، حتي غدت مهامه اشبه بانشطة الشركات الأمنية ومراكز البحوث والاستشارات.
ورغم ذلك ظل رجال الجهاز يؤدون واجبهم الوطني بتجرد ونكران ذات دون اكتراث لاصوات التحريض والتخزيل،وعندما واقعة واقعة الحرب أعلنت قيادة الجهاز انحيازها الكامل لبقاء الدولة.
وقدمت في سبيل ذلك خيرة ضباطها وشبابها من نخبة هيئة العمليات والوحدات المتخصصة،واليوم أصبحت قيادة البلاد التي استجابت للمؤامرة السابقة مدينة بالاعتذار لرجال المخابرات العامة،وليس من خيار أمامها سوي عودة كامل سلطات وصلاحيات الجهاز، التي لاتعني بالضرورة العودة لسنوات الكبت والقهر.
التي رسخت في الوعي الجمعي للسودانيين ،بل تلك ضرورة استراتجية ملحة لمجابهة التحديات التي تعاظمت بعد الحرب ابريل، التي كشفت ظهر الدولة بصورة تتطلب عملا دوؤبا ومتواصلا في عدة جبهات خارجية وداخلية لاستعادة زمام المبادرة.
وكذلك استعادة ثقة الشعب في مهنية جهاز المخابرات العامة بوصفه صمام امان الدولة،والأجدر دونه غيره في تحصين البلاد من الاختراق الاستخباري ومن الانزلاق نحو سيناريوهات اقليمية مشابه ،في عالم باتت فيه المعلومة تمثل سلاحا فتاكا تستخدمه الدول في قهر خصومها وحماية مصالحها و أمنها القومي .
فقد بذل خصوم الجهاز وعملاء الداخل مافي وسعهم من اجل تجريم المؤسسة وليس القيادة التي نقر أنها ارتكبت أخطاء في إدارة الجهاز .
ولكن تلك الأخطاء لاتبرر باي حال التفريط في الأمن القومي عبر حملات ا”لشيطنة” الإعلامية الموجهة نحو سائر المنظومة الأمنية والإستخبارية،التي كشف تسلسل الاحداث أنها كانت بمثابة مقدمة لتهيئة المسرح للانقضاض علي السلطة عبر سلاح المليشيا.التي تم استأجرها لاكمال حلقات التآمر ضد البلاد.
ولكنها اصطدمت بوجود جهاز قوي ومهني يمتلك كل مقومات الاحترافية والصمود تقوده قيادات قوية وكوادر محترفة ودوائر متخصصة وخبرات متراكمة، وعقل آستراتجي قادر علي التعامل مع جميع الملفات المعقدة ،وان عودة الجهاز لاداء دوره الطليعي في حماية الأمن القومي من الاختراق واجب تمليه المسئولية الوطنية.
خاصة وأن هذه العودة تاتي فى ظل اجواء ملبدة بالغيوم السياسية و المهددات الأمنية والتي تستهدف كيان الدولة مع تنامي النشاط الهدام الذي بات يعبث بالنسيج الاجتماعي .
في تقديري أن هذه الهواجس وجدها كفيلة بإعادة النظر في تموضع الجهاز في خارطة التاسيس الاستراتجي للمؤسسات الدولة الذي أصبح كذالك ضرورة ملحة في ظل غياب مراكز رصد ومعلومات بحثية قادرة على المشاركة في احتواء المهددات المستجدة.
وبالطبع يدرك المتربصون بالسودان ان عودة الجهاز لممارسة دوره الطبيعي والطليعي بين كآفة الأجهزة الإقليمية والدولية تحول دون انقضاضهم علي الفريسة .
الأمر الذي يتطلب من الجميع رفع درجة الحس الوطني قبل الأمني، وتحكيم صوت العقل والمنطق في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمُر به السُودان، والذي يستوجب من القائمين على قيادة الجهاز الإنتباه واخذ الحيطة والحذر.
بالتخطيط المهني المدروس واستخلاص الدروس المستفادة من هذه الحرب ، بما في ذلك أخطاء وسلبيات الماضي وبناء الرؤية المستقبلية علي هدي التاسيس الجديد للدولة السودانية.



