مقالات الظهيرة

البروفيسور حسن ابنعوف أحمد.. آخر المعلمين العظماء!!

كتب دكتور عبد الشكور حسن أحمد المحامي

في حياتي، ما رأيت معلماً جمع من فضائل العلم، وخصائل الأدب، وشمائل التواضع، مثلما جمع البروفيسور حسن ابنعوف أحمد؛ رجلٌ إذا تحدّث أمتع، وإذا علّم أبدع، وإذا ابتسم أذهب عن النفوس عناءها، وأعاد إلى القلوب صفاءها. كان مدرسةً تمشي على قدمين، ومكتبةً تنبض بالحياة، وفلسفةً تتحدث بلسان الأدب، وقصيدةً تتهادى بين الناس دون أن تحتاج إلى ديوان أو عنوان.

 

كان عصاميَّ البناء، شقّ طريقه بعزيمته، وارتقى في مدارج العلم بهمته، فامتلك ناصية اللغة العربية، وأحاط بكنوز آدابها، وتذوّق أسرار بيانها، حتى غدا في ميدانها علماً لا يُجارى، ونجماً لا يُدارى، وأديباً تتضاءل أمام بلاغته عبارات الثناء مهما طال فيها الإطناب والإطراء.

 

كان هاشّاً باشّاً، تشرق الابتسامة على محيّاه، وتسبق البشاشةُ كلماته، وتفتح المحبةُ قبل العلم أبواب قاعاته. تراه في أحلك الظروف ثابت الجنان، جميل اللسان، واسع الصدر، كأنما خُلق ليعلّم الناس كيف يكون المعلم إنساناً قبل أن يكون أستاذاً، وكيف يصبح العلم رسالةً قبل أن يكون وظيفة، وكيف يغدو التعليم عطاءً لا ينقطع، ونوراً لا يرتفع عنه الشعاع.

 

كان أباً حنوناً لطلابه، لا يضيق بسؤال، ولا يتبرّم من إلحاح، ولا يبخل بعلم، ولا يتعالى بمقام. يلقاك بوجه الأب، ويخاطبك بلسان المربّي، ويعلّمك بروح الصديق، ويهذّبك بحكمة الأديب الرقيق. لم يكن أستاذاً يتعالى، بل مربياً يتسامى؛ ولم يكن معلماً يتكبّر، بل عالماً يتواضع، حتى يطمع الطالب في صحبته، ويأنس بقربه، ويجد في مجلسه ما لا يجده في صفحات الكتب وحدها.

 

وقد صدق الشاعر حين قال:

 

تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ

على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ

 

ولا تكُ كالدخانِ يرفعُ نفسَهُ

إلى طبقاتِ الجوِّ وهو وضيعُ

 

ذلك هو حسن ابنعوف؛ رفيع القدر، عظيم الأثر، لا يحتاج إلى رفع الصوت ليُسمع، ولا إلى إظهار الفضل ليُعرف، ولا إلى ادّعاء المجد ليُذكر. فالأصيل ترفعه خصاله، والعالم ترفعه معارفه، والأديب ترفعه محاسنه، وصاحب الفضل تخلّد ذكراه مواقفه.

 

أحبّ الناس فيه أدبه قبل علمه، ووقاره قبل قراره، ولباقته قبل فصاحته؛ ثم أحبّوا العلم من خلاله، واستعذبوا الدرس في مجلسه، وحفظوا المتون بفضل بيانه، واستوعبوا المعاني بجمال إلقائه، كأنما يضع المعرفة في طبق من ذهب، ويقدّم الحكمة في أبهى حُلَل الأدب.

 

كان إذا ألقى الدرس استقامت العبارة، وانتظمت الفكرة، وانفتحت مغاليق اللغة، وتراقصت المعاني على ألسنة الطلاب؛ فإذا فرغ، تمنّوا لو طال المقام، وإذا انصرف، قالوا بقلوبهم قبل ألسنتهم: ليت الأستاذ ما ذهب، وليت مجلس العلم ما انتهى، وليت لحظات الأنس امتدّت حتى الصباح.

 

لقد كان البروفيسور حسن ابنعوف أحمد فريد عصره، وعالم مصره، وبهجة مجلسه، وزينة درسه، ومثال المعلم الذي يجمع بين هيبة العالم ورقّة الأب، وبين حكمة الفيلسوف وعذوبة الأديب، وبين سموّ المعرفة ونبل التربية.

 

ولعلّنا في زماننا هذا نبحث عن أمثاله فلا نجد إلا ذكراهم، ونفتّش عن شمائلهم فلا نصادف إلا آثارهم؛ فقد قلّ المعلمون الذين يعلّمون العقول ويهذّبون النفوس، وندر الأدباء الذين يجمعون فصاحة اللسان ونقاء الوجدان، وأصبحنا نخشى أن يكون حسن ابنعوف من آخر جيل المعلمين العظماء، وفلاسفة الأدب النبلاء، الذين لا يتركون وراءهم شهاداتٍ معلّقة فحسب، بل يتركون رجالاً تعلّموا، وأجيالاً تهذّبت، وقلوباً امتلأت حباً ووفاء.

 

سلامٌ على معلمٍ جعل العلم رسالة، والأدب سيرة، والتواضع زينة، والابتسامة صدقة؛ سلامٌ على رجلٍ إذا غاب جسده بقي أثره، وإذا ابتعد مجلسه حضرت حكمته، وإذا طواه العمر أبقته الذاكرة في أبهى صورة.

 

فبعض الرجال تنتهي أيامهم، ولا تنتهي آثارهم؛ وبعض المعلمين يرحلون من الفصول، ولا يرحلون من العقول؛ أما حسن ابنعوف، فسيظل في ذاكرة تلاميذه علماً لا يخبو، وأدباً لا ينضب، ودرساً لا يُنسى، وأستاذاً كلما ذُكر المعلم العظيم، كان اسمه في مقدمة الأسماء، وكلما ذُكر الأدب الرفيع، كان أثره من أصدق الشواهد وأجمل العلامات.

 

إنه حسن ابنعوف أحمد؛ رجلٌ علّم فأجاد، وربّى فأفاد، وتواضع فازداد رفعةً ومجداً، فاستحق أن يُكتب اسمه بماء الوفاء على صفحات الأيام، وأن يبقى في سجل الخالدين من عظماء المعلمين والأدباء.

رحمه الله رحمة واسعة واسكنه الفردوس ومامات من خلف مثل ابنائه البروف طارق واسامة وجعفر وخالد وفيصل وابنعوف

وغيرهم له الرحمة والمغفرة يآخر العلماء ومعلم الادباء

اتمنى من جامعة القرآن الكريم ان تجعل يوما احتفالا بذكرى تلك المكتبة التى رحلت عن دنيانا بصمت ولم نقدم له كلمة

 

شكرا والف شكر لروحك الهاشة الباشة التى امطرتنا علما ومعرفة

والله المستعان

عبدالشكور حسن احمد

المحامى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى