اثنان وسبعون عاماً… وما زال السودان يجد في جيشه قلباً لا يخفق إلا للوطن (الجيش قلب الوطن)

روية وطنية… نكتب للوطن
================
بقلم (ابوعبيدة أحمد علي)
رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية مجلس الصداقة الشعبية العالمية
=================
في الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة السودانية
=================
في الرابع عشر من أغسطس، لا يمرُّ التاريخ على السودان مرورَ الأيام العادية؛ إذ تتوقف عقارب الذاكرة قليلاً، ويقف الوطن في محراب الوفاء، مستعيداً سيرةَ رجالٍ جعلوا من البذل عقيدة، ومن التضحية شرفاً، ومن السودان قضيةً لا تقبل المساومة.
إنها الذكرى الثانية والسبعون لعيد القوات المسلحة السودانية؛ هذه المؤسسة الوطنية العريقة التي ولدت فتيةً، وظلت على امتداد السنين تحمل في قلبها السودان، وتحرس بعيون أبنائها حدوده وأمنه وكرامته.
وتأتي هذه الذكرى وقواتنا المسلحة أكثر قوةً، وأشدَّ منعةً، وأعظمَ عزيمةً؛ بعد أن خاضت واحدةً من أعقد المعارك التي عرفتها المنطقة، وقدّمت في سبيل الوطن من الشهداء والجرحى والتضحيات ما يعجز القلم عن إحصائه، ويضيق البيان عن وصفه.
وليس أعظم من البطولة أن ينتصر المرء في معركة، ولكن أعظم منها أن يثبت حين يظن الناس أن الثبات قد أصبح مستحيلاً، وأن يحمل راية وطنه حين تتكاثر حوله الرياح.
وهنا، يقف التاريخ شاهداً.
فقد أثبت أبناء القوات المسلحة السودانية، في هذه المحنة العصيبة، أن الجيوش لا تُقاس بعدد سلاحها وحده، ولا بكثرة عتادها، وإنما تُقاس بما يسكن صدور رجالها من إيمان، وما يملكونه من صبر، وما يستطيعون أن يقدموا من فداء حين تناديهم الأرض.
لقد قاتلتم من أجل السودان لا من أجل أنفسكم، ووقفتم حيث كان يمكن للإنسان أن يتراجع، ولكنكم لم تتراجعوا؛ لأن وراءكم وطناً، وأمامكم أمانة، وبين الوطن والأمانة رجالٌ أقسموا أن يكونوا لها.
وفي هذه المناسبة الوطنية العظيمة، أحيي القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وأحيي أركان حربه الأوفياء: الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، والفريق أول ركن ياسر العطا، والفريق أول مهندس إبراهيم جابر، وسائر هذه الكوكبة التي حملت أمانة القيادة في ظرفٍ من أشد ظروف السودان قسوةً وتعقيداً.
والتحية قبل ذلك وبعده لكل ضابطٍ وقف في موقعه، ولكل ضابط صفٍّ أدى واجبه بصمت الرجال الذين لا يبحثون عن التصفيق، ولكل جندي حمل سلاحه ومضى إلى حيث ينبغي أن يكون الرجال.
وقبلةٌ حارةٌ على جبين كل جندي من جنود القوات المسلحة السودانية؛ أولئك الذين افترشوا الأرض، والتحفوا السماء، وجعلوا من الخنادق بيوتاً مؤقتة، ومن البنادق وسائد، ومن الصبر زاداً، ومن حب الوطن حياة.
والتحية كذلك لأبطال جهاز الأمن والمخابرات العامة، وللشرطة العسكرية، ولكل القوات المساندة والمستنفرين الذين أصبحوا جزءاً أصيلاً من هذه الملحمة الوطنية؛ أولئك الذين لبّوا نداء الوطن حين نادى، ولم يسألوا: ماذا سنأخذ؟ وإنما سألوا: ماذا نستطيع أن نعطي؟
لقد كنتم كالأسود الضارية؛ لم يَهُن عليكم السودان، ولم ترخص في أعينكم أرضه، ولم تكن أرواحكم أغلى من ترابه.
بذلتم الغالي والنفيس، وقدمتم من الأرواح والدماء والسنين ما سيبقى محفوراً في ذاكرة هذا الشعب.
ولذلك لم يكن غريباً أن يلتف حولكم الشعب السوداني التفافاً قلَّ أن شهدت له الأوطان مثيلاً؛ رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً وأطفالاً، في المدن والأرياف والقرى والضواحي والبوادي.
صار اسم القوات المسلحة في وجدان السودانيين أكثر من اسم مؤسسة؛ صار معنىً من معاني الأمان، ورمزاً من رموز الصمود، ونغمةً وطنيةً تتردد في البيوت والطرقات، وأنشودةً تعزفها القلوب قبل أن تعزفها الحناجر.
وأنتم اليوم تنتشرون في بقاع السودان الطاهرة؛ في سهوله وجباله، في مدنه وقراه، عند الثغور والمواقع، تحت الشمس اللاهبة وفي ليالي البرد، تفترشون الأرض وتلتحفون السماء، لا يربطكم بالمكان فراشٌ وثير ولا جدارٌ آمن، وإنما يربطكم به شيء أعظم: القسم والوطن.
ولعل الكلمات، مهما بلغت من الفصاحة، تظل عاجزةً عن أن توفيكم بعض حقكم.
فماذا يقول القلم أمام من كتبوا تاريخ السودان بالدم؟
وماذا تقول الكلمات أمام رجالٍ صار صمتهم في الميدان أبلغ من آلاف الخطب؟
وماذا يستطيع الشعر أن يضيف إلى بطولةٍ تمشي على قدمين، وتنام في العراء، وتصحو على صوت الرصاص، ثم تمضي إلى واجبها وكأنها لم تفعل شيئاً؟
إن الكلمات أمام قامتكم السامقة تتضاءل، وإن العبارات أمام تضحياتكم تنحني، وإن النفوس لتشرئب إليكم حباً وإجلالاً كلما تذكرت أن وراء كل بيتٍ آمن جندياً ربما أمضى ليلته في العراء، ووراء كل أمٍّ تطمئن على أبنائها رجلاً يقف في المتراس، ووراء كل شبرٍ من أرض السودان قصة شهيدٍ أو جريحٍ أو مقاتلٍ لم يعرف إلا طريق الواجب.
يا جيش السودان…
ليس عيدك يوماً في التقويم، وإنما هو صفحةٌ من صفحات الوطن.
وليس مجدك في أن تحمل السلاح، وإنما في أن تعرف متى يكون السلاح حمايةً للوطن، ومتى تكون التضحية أمانةً، ومتى يصبح الثبات موقفاً لا يجوز للرجال أن يتخلوا عنه.
وإذا كان السودان قد مرّ في هذه السنوات بليلٍ طويل، فإنكم كنتم من مصابيح ذلك الليل؛ لا لأن الطريق كان سهلاً، ولكن لأنكم واصلتم السير حين اشتدت العتمة.
لقد أثبتت هذه الحرب أن السودان لا يُختصر في مدنه، ولا في مؤسساته، ولا في حدوده المرسومة على الخرائط؛ السودان روحٌ تسري في عروق أبنائه، وجيشٌ يقف حين يجب أن يقف، وشعبٌ يعرف في ساعة الشدة أين تكون بوصلته.
وإن ما قدمته القوات المسلحة السودانية من صمودٍ وبطولاتٍ في هذه الحرب سيظل، بلا شك، مادةً للتأمل والدراسة في التاريخ العسكري؛ لأن التجارب الكبرى لا تُقاس فقط بنتائجها، وإنما بما تكشفه من قدرة الإنسان على الصمود أمام المستحيل.
وفي عيدكم الثاني والسبعين، لا نقول لكم: شكراً فحسب؛ فالشكر كلمةٌ صغيرة أمام تضحياتٍ كبيرة.
بل نقول:
طوبى لخطواتكم التي مشت على تراب السودان وهي تحمل أمانته.
طوبى لجباهٍ عرفت غبار الخنادق ولم تعرف الانكسار.
طوبى لأيدٍ حملت السلاح دفاعاً عن الوطن، ولم تحمل يوماً رايةً إلا رايته.
وطوبى للشهداء الذين سبقوكم إلى رحمة الله، وتركوا خلفهم أسماءً لا تموت، وذكرياتٍ لا يطويها الزمن.
نسأل الله أن يتقبل شهداء السودان قبولاً حسناً، وأن يشفي جرحانا، ويحفظ جنودنا وضباطنا وضباط صفنا، ويحفظ قواتنا المسلحة وسائر مؤسساتنا النظامية والقوات المساندة والمستنفرين، وأن يردهم إلى أهلهم سالمين غانمين، وأن يجعل هذا الوطن آمناً مطمئناً، موحداً عزيزاً مرفوع الراية.
كل عام وقواتنا المسلحة بخير.
كل عام وأنتم يا حماة السودان في قوةٍ ومنعة.
كل عام وأنتم عنوانٌ للصمود، ورايةٌ للتضحية، وسياجٌ للوطن.
وفي الرابع عشر من أغسطس، حين تُرفع راية السودان عالياً، فليعلم العالم أن خلف هذه الراية رجالاً أقسموا أن تبقى مرفوعة.
سلامٌ على الجيش السوداني في عيده،
وسلامٌ على رجاله في ميادين الشرف،
وسلامٌ على شهدائه في مقامات الخلود،
وسلامٌ على السودان… وطنِنا الذي يستحق أن نحيا له، ونبذل من أجله، ونتركه لأبنائنا أكثر أمناً وعزةً مما تسلمناه.
أبو عبيدة أحمد علي



