مقالات الظهيرة

إلى سيادة رئيس مجلس السيادة.. مع مودتي: إلا والي الخرطوم نصير الضعفاء

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية / مجلس الصداقة الشعبية

 

في زمنٍ تزلزلت فيه الأرض تحت أقدام الرجال، وتفرّق كثيرون بين نداء الواجب ونداء النجاة، برز في سماء الخرطوم رجلٌ آثر أن يبقى حيث بقيت آلام أهله، وأن يحمل أمانة ولايته كما يحمل الجندي سلاحه؛ لا يترجل عند اشتداد الخطر، ولا يتوارى حين تدوي المدافع، ولا يترك شعبه يبحث عن مسؤولٍ فلا يجده.

 

ذلكم هو سعادة السيد أحمد عثمان حمزة، والي الخرطوم.

 

ولستُ اليوم بصدد كتابة مديحٍ لمسؤول، فالمناصب لا تصنع الرجال، وإنما الرجال هم الذين يمنحون المناصب قيمتها ومعناها. وما أكتبه شهادةٌ في رجلٍ رأيناه في ساعة العسرة ثابت الجنان، حاضرًا بين أهله، قريبًا من مواطنيه، يحمل همومهم ويشاركهم مرارة المحنة.

 

لقد كانت الخرطوم مسرحًا لأقسى الاعتداءات والانتهاكات التي طالت المواطنين الأبرياء، من قتلٍ وسلبٍ وتشريدٍ وانتهاكاتٍ مروعة، وكان يمكن لمن أراد السلامة لنفسه أن يجد ألف عذرٍ للابتعاد. أما والي الخرطوم، فقد اختار الطريق الأصعب: البقاء.

 

اتخذ من محافظة كرري غرفة عمليات، وجعل من وجوده بين الناس رسالةً تقول إن الدولة لا تغادر مواطنيها في ساعة الشدة. حمل روحه على كفه، وعمل في ظروفٍ بالغة التعقيد، لا يهاب دويّ الدانات، ولا يجزع من المسيرات، ولا ينتظر أن تأتيه صورة الواقع في تقريرٍ مكتبي قد يصدُق وقد لا يصدُق؛ بل كان ينزل إلى الميدان، يتفقد مواقع الخلل، يستمع إلى الناس، ويرى بعينيه، ثم يوجّه بالمعالجة.

 

ولم تكن مهمته أن يحصي المشكلات، وإنما أن يبحث عن حلولها.

 

فحين جاعت البطون، كانت التكايا بابًا من أبواب الرحمة، وحين اشتدت الحاجة إلى الدواء، كان تأمين العلاج جزءًا من واجبه، وحين أظلمت الظروف في وجوه الناس، ظل حاضرًا بينهم، وكأن لسان حاله يقول: إن المسؤولية ليست كرسيًا في مكتب، وإنما عهدٌ بين المرء وربه ثم بينه وبين الناس.

 

وهكذا صار سلوكه قدوةً لأركان حرب الولاية من قيادات وموظفين وعمال؛ لأن القدوة الصادقة لا تحتاج إلى كثير كلام، وإنما تمشي على قدمين.

 

وما أشبه هذا الرجل في بعض خصاله بأولئك الولاة الذين فهموا أن الحكم أمانة، وأن الوالي مسؤول عن الضعيف قبل القوي، وعن الجائع قبل الشبعان، وعن الأرملة واليتيم قبل أهل الجاه والسلطان. وفي هذا المعنى نستحضر سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين جعل خوفه من الله فوق خوفه من الناس، ونستحضر عدل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، حين رأى أن قيمة السلطان إنما تكون فيما يقيم به الحق ويرفع به الظلم.

 

وليس غريبًا على أحمد عثمان حمزة أن يكون قريبًا من الناس؛ فقد عرفته ميادين العمل التنفيذي قبل أن تعرفه الولاية.

 

حين كان مديرًا تنفيذيًا لمحافظة أمبدة، واجه واقعًا شديد التعقيد، فلم يقل: هذه إمكانات محدودة، وهذه مشكلات مستعصية، وإنما أخذ ما وجد من الإمكانات وصنع منه الممكن، حتى تحولت مناطق كانت تعاني الإهمال إلى نموذجٍ للعمل والخدمة.

 

طرقٌ وجسور، ومستشفيات ومراكز صحية، ومدارس، وخدمات اجتماعية وإنتاجية، وتنظيم للأسواق؛ وكان سوق ليبيا وسوق أبو زيد من الشواهد على أن الإدارة الجادة تستطيع أن تنقل المكان من الفوضى إلى التنظيم، ومن الإهمال إلى الحياة.

 

وهنا نقولها بلا مواربة:

 

هنيئًا للخرطوم بك يا أحمد عثمان حمزة؛ فأنت رجلٌ تتزين بك المناصب، ولا تتجمل أنت بها.

 

وقد بلغني، كما بلغ غيري، ما يتردد من إشاعاتٍ عن تغييراتٍ محتملة في قيادة ولاية الخرطوم. ولا أريد أن أبني مقالًا على إشاعة، ولا أن أتهم أحدًا بغير بينة، ولكنني أقولها من باب النصيحة الوطنية الصادقة:

 

يا سيادة رئيس مجلس السيادة، مع مودتي وتقديري لمقامكم، إلا والي الخرطوم.

 

فإن كان الرجل قد أخطأ فليُحاسَب بالحق، وإن كان قد قصّر فليُسأل عن تقصيره، أما إن كانت الشهادة له هي الثبات في الميدان، وخدمة المواطنين، ومشاركة أهل الخرطوم محنتهم، والقيام بالواجب في أصعب الظروف، فإن تبديله في هذه المرحلة يحتاج إلى حكمةٍ بالغة، وإلى ميزانٍ دقيق يضع مصلحة الولاية فوق كل اعتبار.

 

فالخرطوم اليوم لا تحتاج إلى تبديل الوجوه لمجرد التبديل؛ إنها تحتاج إلى رجالٍ يعرفون جراحها، وذاقوا مرارة أيامها، وعرفوا دروبها وأحياءها وأهلها، ويملكون القدرة على مواصلة البناء من حيث انتهى الآخرون.

 

أما أولئك القلة من ضعاف النفوس الذين قد يزعجهم المسؤول الصارم، أو تضيق صدورهم بمن يغلق أبواب الفساد، فليس كل ما يكتبونه يستحق أن يكون ميزانًا للحكم على الرجال. فالفساد لا يحب من يضيّق عليه، والمصالح الضيقة لا تحب الرجل الذي يقول: لا.

 

وأحسب أن من حق والي الخرطوم على أهلها أن يقولوا له اليوم: لقد رأيناك معنا حين غاب كثيرون، فلا تجعلوا جزاء من وقف مع الناس في العاصفة أن يُغادر السفينة وهي في طريقها إلى بر الأمان.

 

يا سيادة رئيس مجلس السيادة،

 

إن الخرطوم ليست مجرد ولاية في دفتر الدولة؛ إنها قلب السودان، ومن يتولى أمرها في هذه المرحلة يحمل فوق كتفيه عبئًا استثنائيًا. لذلك فإن بقاء الرجل الذي أثبت وجوده في الميدان، إذا كان مستوفيًا لشروط الكفاءة والثقة، ليس امتيازًا لشخصه، وإنما قد يكون خدمةً لاستقرار الولاية واستمرار مسيرة إعمارها.

 

نحن لا نقدس مسؤولًا، ولا نمنح أحدًا حصانةً فوق القانون، ولكننا أيضًا لا نقبل أن يُظلم رجلٌ لأن بعض الأقلام لم يعجبها صرامته، أو لأن أصحاب المصالح لا يروق لهم من يضع المصلحة العامة فوق الخاصة.

 

الأعمال هي التي تدافع عن الرجال.

 

وأعمال أحمد عثمان حمزة في الخرطوم وأمبدة شاهدٌ قائم؛ فمن كان مع الناس في زمن الخوف، وبينهم في زمن الجوع، وحاضرًا في مواقع الخطر، وساعيًا في توفير الغذاء والدواء والخدمة، فذلك رجلٌ يستحق أن يُنظر في تجربته بعين الإنصاف قبل اتخاذ أي قرار.

 

وإنني، من موقع المحبة للسودان والغيرة على وطننا، أقول:

 

لا تجعلوا الخرطوم تدفع ثمنًا جديدًا من الاستقرار الإداري.

 

اتركوا الرجل يكمل ما بدأه، وحاسبوه على النتائج، وافتحوا أمامه أبواب الدعم، ثم احكموا عليه بما يصنعه في أرض الواقع.

 

فالخرطوم التي عرفت الحرب تعرف أيضًا من وقف معها.

 

والشعب الذي ذاق مرارة المحنة لا ينسى يدًا امتدت إليه في ساعة العسر.

 

ولذلك أقولها، محبةً في الخرطوم، ووفاءً لأهلها، واحترامًا لمقام الدولة:

 

إلا والي الخرطوم… نصير الضعفاء.

 

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

 

أبوعبيدة أحمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية / مجلس الصداقة الشعبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى