(خمة نفس)عبدالوهاب السنجك يكتب : إقصاء صحفيي الجزيرة.. عندما يُفتح الباب للغريب ويُغلق في وجه القريب
لا نريد أن نلج هذا الباب الذي تركناه مغلقاً زمناً طويلاً، غير أننا وجدنا ما يلينا يُهدر علناً من دون أي تقدير واحترام للمهنة التي تتعرض للإهانة والتقليل من الشأن. كيف ذلك؟!
في الأوقات الحرجة، يصبح الإعلام المحلي هو الجسر الوحيد بين المواطن وصانع القرار. لكن المشهد في ولاية الجزيرة اليوم يبدو مقلوباً. فعاليات حكومية تُنظّم، واجتماعات تُعقد، ومشروعات يُعلن عنها، وصحفيو الولاية يتابعونها عبر “فيسبوك” مثلهم مثل أي مواطن عادي.
السؤال الذي يتكرر همساً في مجالس الإعلاميين يحتاج أن يُقال بصوت عالٍ: هل بات صحفيو ولاية الجزيرة في عزلة مقصودة، وتُرك الباب مفتوحاً لآخرين دون غيرهم؟!
دعوات لا تصل ولا تُعلن، وتغطية تُحتكر لـ”صحفيي باب السلطان” والمتملّقين.
عدد كبير من المناشط الرسمية في مدني وبقية محليات الولاية تتم تغطيتها بواسطة أفراد ومنصات من خارج الولاية. لا توجد قائمة دعوات واضحة، ولا آلية معلنة لاختيار من يُدعى ومن يُستبعد. النتيجة أن صحفياً عمل في الجزيرة سنوات، ويعرف ملفاتها من الزراعة إلى الصناعة إلى الصحة والتعليم، يجد نفسه خارج القاعة، بينما يحضر شخص لم تطأ قدمه الولاية إلا يوم الفعالية، ولا يفكر إلا في ذلك “الظرف المحترم”.
هذا ليس مجرد إحراج مهني. إنه إخلال بمنظومة العمل الإعلامي نفسها.
وما زالت الأرقام تتحدث عن واقع قاسٍ
بحسب نقابة الصحفيين السودانيين، وثقت النقابة أكثر من 500 حالة انتهاك بحق صحفيين وصحفيات في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. واضطر المئات لمغادرة البلاد إجباراً وليس اختياراً.
ولاية الجزيرة لم تكن بمنأى عن ذلك. الحرب أدت إلى توقف الصحافة الورقية تماماً، وفقد نحو 90% من العاملين في القطاع مصدر رزقهم.
قبل الحرب كان بالولاية أكثر من 30 صحفياً ومراسلاً يعملون مع صحف قومية، ومواقع إلكترونية، وإذاعة وتلفزيون . اليوم، لا يتجاوز عدد الناشطين فعلياً على الأرض 12 صحفياً، ويعمل أغلبهم بجهود فردية دون حماية مؤسية.
تجاهل هذه المجموعة الصغيرة المتبقية يعني خسارة آخر خط دفاع ميداني عن الحقيقة بالولاية.
فلماذا يحدث الإقصاء،
غياب السياسة الإعلامية الواضحة لا توجد لائحة أو تعميم حكومي يحدد آلية التعامل مع الإعلام في الولاية. يُترك الأمر لتقدير الموظف ومزاجه الشخصي.
الخلط بين الإعلام والعلاقات العامة بعض الجهات تتعامل مع الدعوة الإعلامية كـ”مكرمة”، فترسلها لمن تعتقد أنه سيكتب ما تريد سماعه فقط، متجاهلة أن دور الصحفي هو نقل الحقيقة كاملة دون تجميل، متمسكاً بقانون المهنة.
وهم الشهرة الخارجية هناك اعتقاد خاطئ بأن استدعاء صفحات مشهورة من خارج الولاية يضمن وصول الخبر لعدد أكبر. لكن السرعة بلا دقة تخلق تشويهاً، لأن الصفحة الخارجية لا تعرف سياق المشكلة ولا تاريخها.
الثمن الذي تدفعه ولاية الجزيرة باهظ
تشويه الصورة العامة عندما يتحدث عن الولاية من لا يعرفها، يختزلها في صورة نمطية أو خبر ناقص، وهذا يضر بجهود جذب الاستثمار والمساعدات. الفراغ المهني يملأه أي شخص بهاتف ذكي فتختلط المعلومة بالرأي، ويصبح التصحيح أصعب من النفي.
صحفيو ولاية الجزيرة صمدوا في ظروف الحرب والانقطاع والنزوح. تجاهلهم الآن يعني إهدار رأس مال بشري كان الأجدر أن يُستثمر.
الحل لا يحتاج ميزانية ولا لجنة. يحتاج قراراً إدارياً بسيطاً
َ إنشاء قائمة إعلامية معتمدة لدى مكتب وزارة الثقافة والإعلام بالولاية، وتعميمها على كل الوزارات والمحليات، مع الالتزام بإرسال الدعوات قبل 24 ساعة على الأقل.
عقد لقاء ربع سنوي بين والي الولاية وصحفيي الجزيرة لكسر الحاجز ومعرفة الملفات العالقة مباشرة من الميدان.
الجزيرة لا تحتاج إلى من يتحدث عنها، بقدر ما تحتاج إلى من يتحدث منها.
“من لا يثق بأهل بيته في نقل أخباره، لا يلوم الناس إذا صدقوا رواية الغريب”.
افتحوا الباب لصحفيي الجزيرة أولاً، ثم وسعوا الدائرة. لأن من يبني صورته الإعلامية من الخارج فقط، سيكتشف يوماً أنه بلا صوت في الداخل.
[خمة نفس] المسؤول في ولاية الجزيرة يظن أن القادم من الخارج هو من يستطيع تزيين وجه الحقيقة بمساحيق الكلمات، متجاهلاً الذين يبصرونه بالحقيقة حتى وإن كانت مرة كمرارة الحنظل.الكلمة رصاصة إذا خرجت لن تعود أبداً. [خمة نفس] شعب واحد.. جيش واحد..
الشعب المسلح لن يُهزم.



