(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… جدلية النزاهة الأممية!!
حين يهبط صمت الأربعاء على ضجيج الحكايا، يجد الكاتب نفسه محاصراً بأسئلة الوجع التي لا تقبل التأجيل؛ وأولها ذاك السؤال المفخخ الذي ينمو كالعُشب الضار في حقول تفكيرنا: هل نزال حقاً نعلق تمائم آمالنا على جدار الأمم المتحدة، ننتظر منها نزاهةً تقيم موازين القسط في السودان؟
إن المتأمل في دهاليز المنظمة الدولية، خلف واجهات الزجاج البراقة في نيويورك، يدرك أن “النزاهة” هناك ليست قيمة مطلقة، بل هي طينٌ يشكله صانع الخزف السياسي وفق مقاسات القوى الكبرى، وحين يتعلق الأمر بوطنٍ كالسودان، تغدو هذه النزاهة عبارة عن “بروتوكولات” متجمدة، تفتقر إلى النبض الذي تحتاجه الجراح النازفة على ضفاف النيل.
لقد توهمنا طويلاً أن “البدلة الزرقاء” تحمل في جيوبها مفاتيح الخلاص، لكن المشهد اليوم يكشف عن فجوة حضارية وأخلاقية هائلة؛ فبينما يقتات المواطن السوداني من صبره على مرارات النزوح وفقدان المأوى، تنشغل المكاتب الأممية بصياغة لغة “القلق” التي باتت أيقونةً للفشل الدبلوماسي المعاصر. إن هذا التراخي الدولي ليس مجرد عجز تقني، بل هو “فن إدارة الأزمات” لا حلها، وكأنما يُراد لهذا الوطن أن يظل في غرفة الانتظار الدولية، يُمنح مسكنات إنسانية تمنحه الحياة دون أن تهبه الشفاء، وتُبقي على فتيل النزاع مشتعلاً تحت رماد البيانات الصحفية المنمقة.
إن القراءة الفاحصة لما وراء الستار تخبرنا أن المنظومة الدولية قد استبدلت “البوصلة الأخلاقية” بـ “ساعة توقيت” المصالح؛ فهي تتدخل حين يهدد لهيبنا مصالح الكبار، وتنكفئ على صمتها حين يكون الثمن هو دم الإنسان البسيط. فكيف نصدق نزاهةً ترى المأساة بعينٍ واحدة، وتزن الأرواح بميزان الذهب السياسي؟ إننا أمام مشهدٍ سريالي.
حيث تتحول المنظمة من “حكم” في ساحة السلم العالمي إلى “لاعب” يحاول الحفاظ على توازناته الخاصة وسط ركام وطننا، مما يجعل الرهان على نزاهتها رهاناً على سرابٍ يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
يا سادتي، إن السلام الذي لا تنبت بذرته في عمق التربة السودانية، وتُسقى بوعي الأبناء وتساميهم فوق الجراح، هو سلامٌ “مستعار” لا يدفئ أحداً. إن استجداء النزاهة من أروقة المنظمات التي أدمنت “تسييس المعاناة” هو نوع من الترف الفكري الذي لم نعد نملك تكلفتة. فالحقيقة التي يجب أن تُهمس في أذن كل سوداني هي أن البوصلة التي لا تشير إلى الداخل هي بوصلة معطوبة، وأن النزاهة الدولية ليست سوى “ديكور” لخدمة أجندات الخرائط.



