لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب…. سلام أم سراب!!
السلام والسراب، كلاهما معنويان غير ملموسين، يهمسان في شعور الخوف والظمأ، ويحملان من السريالية ما يخرجهما من دائرة اللفظ والتعبير إلى حالٍ فصيح يبحث في ركام الحروب والحريق عن سلام؛ تمامًا كما يبحث الظامئ، المشرف على الهلاك، عن شربة ماء في سُرُب النهارات الغائظة.
الدعوة – أو قل الدعوى – التي طرحها سعادة رئيس الوزراء بشأن السلام، وكيفية الوصول إليه، والتوقيتات الزمنية والحيث المكاني لانعقاد اللِّجان والملتقيات، تفصح عن نوايا حسنة ، ولكنها تثير الشك في حقيقة المعرفة التامة والإلمام الكافي بملف السلام في السودان؛ ذلك الملف المرزوء بكل بلايا ومعضلات العالم. وقد ظل السلام غايةً عظمى سعت إليها كل الحكومات المتعاقبة، كلٌّ على قدر عزمه، لكنه ظل عصيًّا، كقيعان السراب، يعكس المرائي المُبشِّرة ويستعصم بالبعد عن طالبيه.
حتى جاء أوان المجرم حميدتي، فأطاح بكل المعادلات المعتادة في صراع الخصوم في السودان، التي لم تتجاوز – في أسوأ حالاتها – الصراع السياسي والتحريض وقتال الجيش، وربما حمل بعض المواطنين على النزوح والهجرة من مناطق الصراع.
لكنه تجاوز ذلك إلى تعمُّد استهداف وقتل المواطنين مع سبق الإصرار والترصد، وتدمير بُنى الدولة تدميرًا مقصودًا لذاته، بقصد التغيير والتبديل والإفقار. الأمر الذي اقتضى نفيرًا شعبيًا للقتال ومؤازرة الجيش حتى يضع حدًا لهذا التدمير للوطن. وقد أفصحت الأحداث عن مشاركة أحزاب سودانية وشخصيات وكيانات قبلية في هذا المشروع الاستئصالي ذي الجذور والروابط الإقليمية والدولية.
نعم، هذا المشهد القاتم اقتضى تغيير الأساليب الراتبة في الحديث عن السلام وكيفية الوصول إليه عبر ترتيبات سياسية من خلال الحوار والمفاوضات والوسطاء؛ لأن الحرب قد غيَّرت معالم السياسة، وبدَّلت قيم وأوزان السياسيين.
فالأحزاب والكيانات السياسية – على كثرتها في السودان، والتي تقارب مئة وخمسين حزبًا وكيانًا وتكتلًا سياسيًا – قد تبدل بها الحال تمامًا أثناء هذه الحرب وتطوراتها، وما دخلت عامها الرابع إلا بدعمٍ وإسنادٍ وتبرير من بعض هؤلاء.
والدعوة المفتوحة للسلام هي خلط العمل الصالح بالسيئ؛ فليس من العدل أن يستوي الذين قاتلوا في صف القوات المسلحة، وذادوا عن حمى الوطن وحرماته، وأنفقوا ثمنًا باهظًا من أرواحهم ودمائهم بطيب خاطر، مع من آزَر الجنجويد، واعتمر الكدمول من كوادر اليساريين، وبرر أفعالهم الإجرامية، وآذى الجيش بالافتراءات والكذب والدعاية. فهل يستوي هؤلاء وأولئك عقلًا وعدلًا ليجلسوا سويًا لإعادة تسوية واقتسام المغانم السياسية، والشعب السوداني يرقب ذلك ويصفق يدًا بيد لهذه “الحكمة” المزعومة؟
الأمر المؤكد أن الشعب السوداني قد عرف العدو من الصديق، وبالتالي تبدلت لديه القناعات التقليدية في الولاء والبراء الحزبي؛ فلم تعد مسميات الأحزاب ذات معنى أو قيمة إلا بقدر كسبها في معركة الكرامة، ومواقف قياداتها الصريحة منها. ولذلك فإن إعادة البناء في ذات الأمكنة وبذات القياسات والقيم ليس أمرًا حكيمًا البتة؛ لأن نيران الحرب قد أكلت مرتكزات كثيرة كانت تعتمد عليها لافتات سياسية، وقد هوت الآن وتفرق جمع من كان في معيتها. ولم يبقَ عندها غير صدى صوت الزعيم في سرادق الوهم يخطب ود الناس في ابتذال وقح – ومبارك الفاضل نموذجًا، وغيره كثر. فهل يستقيم أن يكون لهؤلاء باعٌ في إعادة البناء السياسي في السودان؟
الإجابة عند الشعب السوداني، عبر مختلف منصات النشر والتعبير، قبل صناديق الاقتراع؛ فاقرؤوا اتجاهات الرأي العام في شأنهم.
ولعل الأوفق للسيد رئيس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، ألا يشغل نفسه بأمرٍ قد اتخذ فيه الشعب السوداني قراره، وهو رفضه البات لإعادة المجرم حميدتي ورهطه من القحاطة إلى الواجهة السياسية والعسكرية. وهو أمر تم التعاقد عليه مع الرئيس البرهان مرارًا، عبر اللقاءات المفتوحة والخطابات الرسمية، وفي الفضاءين العام والخاص، بأن هذه المعركة ماضية إلى غاياتها: سحق الجنجويد وهزيمتهم، إلا أن يستسلموا كما فعل بعضهم. وأي اتجاهٍ للَّيِّ عنق هذا التعاقد هو انتكاسة ستكون لها ارتدادات عميقة جدًا في المجتمع السوداني، الذي راهن على قيادة الجيش في تولي الشأن السياسي وإدارة الدولة حتى القضاء على الجنجويد، والخروج إلى بر السلام. ومن ثم يستطيع الشعب وحده أن يقرر من يتقدم للحكم والقيادة، ومن يُلقى به إلى قعر الهجر والنسيان.
الخلاصة أن حكومة السيد رئيس الوزراء هي المفوضة وصاحبة الشرعية في إدارة دولاب الدولة، والجيش – ومن معه من قوات الإسناد المشتركة والبراؤون وغيرهم – ماضون في إعادة السيطرة على كل التراب السوداني، وهم – بحول الله – قريبون من ذلك وفق الحقائق الميدانية الراجحة.
فالسعي إلى السلام شأن عام جامع وفق مقتضيات تم الاتفاق عليها، وليس مجرد قرار إداري يثير الخوف والشكوك والشبهات أكثر مما يدعم الأمل في تحقيق السلام؛ لأن مجرد خطأ في قراءة البوصلة قد يحرف المسار من السلام إلى السراب.
لا تفاوض، لا تسامح مع الجنجويد ورهطهم الشقي.
بل بس.



