لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… الجنرال ود بيس!!
عثمان عيسى عامر، من فتيان سنجة، المدينة الجميلة الضاربة الجذور في التاريخ الإنساني، خيمةٌ منسوجةٌ من ظلالٍ وغيمٍ وعطاء، مؤتلفةٌ بالناس، تؤمّها وفود القرى كلَّ ضحى.
فتزدان بهم الأسواق، فيعلو صخبها الضاحك، حتى إذا خوخت شمسها للمغيب لوّح الوافدون بالوداع، واستراحت على أُنس القهاوي، ودوري كرة القدم، وإيقاع الإثارة في أفلام سينما سنجة من وراء الحوائط العالية، ثم يسحب الليل غطاءه على تعب النهار، فتسلم جنبها لله، تحتضن أهلها جيلاً بعد جيل، لا تكلّ ولا يعتريها السأم.
من عيون الإبهار كنا نتابع دوري كرة القدم في دار الرياضة، التي يسهل الدخول إليها، وقتما نسترق أنفسنا من الداخلية، ونختلس أوقات الترفيه واكتشاف الحياة. كان فريق النيل المفضل لدينا، وكذلك فريق الشبيبة، لأن بهما عددًا من الطلاب: عثمان عيسى عامر، وكامل صباح، وعبد الصمد يوسف، وعز الدين علي عامر، وعادل عاجب، ونجيب الكندو، وأحمد كجل، والفاضل جادين، وحسن وحسين أولاد الصول، ورضوان محي الدين، وآخرين غيرهم. كانوا يسكبون الإبداع والفن والعرق، ويشيعون البهجة والسرور بين صفوف المشاهدين.
أما عثمان عيسى عامر فكان أشهرهم، له بناء عضلي مميز، يسد خانة الدفاع المتقدم، فلا يكاد مهاجم يمر إلا بشق الأنفس، لأن الاصطدام بود بيس يفضي إلى فقدان الكرة أو فقدان التوازن، والسقوط على الأرض وسط حماسة جماهير نادي النيل.
انتقل ود بيس إلى الكلية الحربية، وهو أمر نادر الحدوث في سلاسل التوظيف وقتها إلا لمامًا، الأمر الذي أحدث فينا مزيدًا من الانبهار، لمجرد انخراط أحد أبناء المنطقة في هذه المراقي.
التقيناه مرة وهو طالب حربي، ونحن ما نزال في الثانوية، فحكى لنا مشاهد التدريب، وقصص الصبر، وأنماط السلوك والانضباط، ومنهجية الحياة، وإيقاع اليوم، مما حفّزنا بشدة لارتياد هذه المقامات.
وبالفعل، يسر الله لنا الالتحاق بهذا الشرف، والتقيناه ونحن في حال استجداد وزهللة، وهم “السينير” عليهم أيناع النضج، وعلامات صفراء فاقعة تسر الناظرين، اكتسبوا مهارات الاصطفاف والتدوير، والأناقة في اللبس، فصدمونا—هو والسينير هارون—فأنكروا سوابق المعرفة، وقلبوا اللقاء أوامرَ انتباهٍ وطوابير، وهذا شأنٌ عسكريٌّ خاص.
عثمان عيسى عامر تميّز بالأناقة الزائدة، والانضباط، والمحافظة على الترتيب والنظافة في شأنه كله، العام والخاص. زرناه مع الدفعة عبد الرحمن حسن النقراش، من أبناء سنجة قرية دريبو—رحمة الله عليه—زرناه في منزله بسنجة قبيل زواجه، وقد بالغ في تزيين الغرفة والصالة، فعلق النقراش ساخرًا: “أنت ضابط أم فنان؟”
قاتل ود بيس في أعالي النيل، وأصيب إصابات بالغة في انفجار لغم أودى برفيقه الملازم علي محمود، من أبناء رفاعة.
ثم تقلب في الرتب والقيادات، إلى أن التقينا مجددًا دارسين في دورة الحرب بالأكاديمية العسكرية العليا، وكان يومها مديرًا لنادي الضباط، فأحاطنا بعناية ورفاهية غير مسبوقة في حلنا وترحالنا، خاصة رحلة الدمازين لدراسة الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي. ثم أصبح مديرًا لمكتب رئيس الأركان، ومكتب أمين عام وزارة الدفاع، حتى أُحيل إلى المعاش.
رحل ود بيس هذا اليوم من هذه الفانية إلى دار البقاء، وهو بالمملكة العربية السعودية، بعدما فرّقت حرب المجرم حميدتي الأحباب، وحرمت الناس من الالتقاء، حتى يسمع بعضهم أخبار موت بعض، فتمور الأنفس بالأسى والأشواق، وينزف الفؤاد بالحسرات والمواجع، وتدمع العيون بفيوض المشاعر ووقع الأحزان، وتمر الذكريات أمامك وأنت تنعى أعز إخوانك وأحب أصدقائك.
لم نلتقه منذ مجيء القحاطة—لا بارك الله فيهم—منذ العام ٢٠١٩م، وللقاء الإخوان لهفة، وفي الفؤاد فراغ.
فيا ود بيس، أيها الراحل المنقلب إلى ربك، محمولًا على عواتق من أحبوك، مشفوعًا بهمْس دعاء من شيّعوك، محشودًا بشفاعة من صلّوا عليك، فجزاك الله خيرًا على حسن عطائك؛ فقد نثرت الإبداع في سنجة، ودافعت عن أرض السودان في عمق الجنوب بأعالي النيل، وأسهمت في ترتيب دواوين الدولة في أعلى مراتب القيادة.
جزاك الله خيرًا على حسن الوصل والخلق.
تعازينا لأهل السودان عامة،
ولأهل سنجة،
ولدوائر علاقاته الاجتماعية الخاصة،
لابنه الدكتور أحمد، ووالدته، وإخوانه وأخواته.
وداعًا ود بيس.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



