الرصيف المُلغّم…. حين يصبح التسول غطاءً والوجود الأجنبي لغماً موقوتاً ٠٠٠

الظهيرة – حسن الدنقلاوي :
استنساخ الفوضى
إن المشهد الذي يتشكل اليوم في شوارع العاصمة القومية الخرطوم، أم درمان، وبحري وبعض المدن الاخري ليس مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة أفرزتها ضغوط الحرب، بل هو استنساخ خطير للمشهد الضبابي الذي سبق اندلاع شرارة الخامس عشر من أبريل. إن التواجد الأجنبي الكثيف وغير المقنن، الذي يتخذ من التسول والهامش غطاءً لممارساته، يعيد إلى الأذهان سياسة النفس الطويل التي اتبعتها الخلايا النائمة قبل أن تتحول إلى مخالب تمزق جسد المدن. إننا أمام اختراق ناعم يتسلل عبر أرصفة الشوارع، ويهدد بتقويض كل المكتسبات الأمنية التي تحققت بالدماء والتضحيات.
أولاً: التسول كـساتر عملياتي
إن القراءة الأمنية المعمقة لهذا الانتشار المريب تؤكد أننا لسنا بصدد فقرٍ عفوِيّ، بل بصدد توزيع لوجستي مدروس. فالمتسول الذي يزرع نفسه في تقاطع استراتيجي، أو بالقرب من منشأة حيوية، أو عند مداخل الأحياء المؤمنة، لا يبحث عن دراهم معدودة بقدر ما يعمل كـرادار بشري يرصد التحركات، ويقيس زمن استجابة القوات، ويوثق الثغرات تحت سمع وبصر الجميع. إن تحويل الحاجة إلى مهنة عابرة للحدود هو في حقيقته عملية استطلاع ميداني متواصلة، تهدف إلى رسم خارطة الطريق لساعة صفرٍ جديدة.
ثانياً: التواجد الأجنبي.. القنبلة الديموغرافية الموقوتة
إن عودة التدفقات الأجنبية من دول الجوار ومن مناطق الصراعات الإقليمية إلى قلب العاصمة، وبذات الأنماط التي سبقت الحرب، هي إشارة حمراء لا تقبل التراخي. هؤلاء الوافدون الذين عبروا خطوط النار وجغرافيا الموت ليتمركزوا في نقاط الحشد والتقاطعات، يمثلون جيشاً احتياطياً يمكن تفعيله في أي لحظة لإحداث فوضى داخلية تشتت المجهود الحربي للدولة. إن الأمن القومي لا يعرف المناطق الرمادية، والتعامل مع هذا الملف يجب أن ينتقل فوراً من خانة المعالجة الاجتماعية إلى خانة الحسم السيادي القاطع.
ثالثاً: الإشادة بجهود حماة الثغور
إننا، وفي مقام التحذير هذا، لا يفوتنا أن نزجي أسمى آيات التقدير والاعتزاز لقواتنا المسلحة، والأجهزة الأمنية، ويقظة الاستخبارات العسكرية، التي تواصل الليل بالنهار في ظل ظروف استثنائية بالغة التعقيد. إن تضحياتهم في جبهات القتال، ويقظتهم في تأمين المداخل والمخارج، هي الصخرة التي تكسرت عليها أطماع المتربصين. إن هذه الجهود المضنية هي التي تبقي جذوة الأمل متقدة، وهي الضمانة الأكيدة التي تجعل من العاصمة عصيةً على السقوط رغم كيد المتسللين.
رابعاً: الدور المجتمعي.. المواطن هو رجل الأمن الأول
بيد أن الرهان اليوم لا يقع على عاتق البزة العسكرية وحدها، بل يمتد ليكون مسؤوليةً وطنيةً وتاريخيةً تقع على عاتق المجتمع بكافة مكوناته. إن المواطن هو الشريك الأصيل في معادلة الاستقرار؛ لذا فإن الدور المجتمعي الطليعي اليوم يتطلب
اليقظة التامة برصد أي تحركات غير مألوفة في الأحياء والتبليغ عنها فوراً.
المسؤولية الجماعية بعدم إيواء أو تشغيل الوجود الأجنبي غير المقنن تحت أي ذريعة.
تغليب الوعي القومي: بإدراك أن كرم السودانيين لا يجب أن يكون مدخلاً لخراب ديارهم.
تلاحم الإرادة هو السد المنيع
إن معركتنا ضد الخلايا المستترة خلف عباءة الفقر هي معركة وعي قبل أن تكون معركة رصاص. فليكن كل بيتٍ ثغرةً، وكل مواطنٍ عيناً ساهرة، لنرسم معاً لوحة التلاحم بين الشعب وسلطاته الأمنية. إن هيبة الدولة تبدأ من ضبط الرصيف قبل ضبط الحدود، والتهاون في صغائر الأمور اليوم هو انتحار مؤجل للغد.
حفظ الله السودان، وأدام عاصمته حصناً منيعاً، وطهّر أرضه من كل خائنٍ ودخيل.



