ياسر محمد محمود البشر يكتب…. الظــلام الرقــمَى… هـل تـعزل أمريـكا العالـم عن الأنتـرنـت؟
في الوقت الذى أصبح فيه العالم قرية صغيرة مرتبطة بخيوط غير مرئية من الألياف الضوئية يبرز تساؤل مرعب يتردد في أروقة مراكز الدراسات الإستراتيجية هل يمكن للولايات المتحدة التى تمتلك مفاتيح كبرى شركات التكنولوجيا والتحكم في جذور الشبكة العنكبوتية أن تضغط على زر الإغلاق الشامل؟ والهدف من ذلك عزل إيران تماماً لخوض حرب خفية بعيداً عن أعين المنصات الرقمية مستخدمة سلاح الإعتام الشامل*
*وتعتمد الفرضية على فكرة أن الحرب القادمة لن تُبث عبر لايف فيسبوك أو تغريدات إكس وقطع الإنترنت عن العالم أو عن مناطق حيوية فيه يعنى شلّ قدرة الخصم على التواصل والأهم من ذلك منع توثيق الأحداث فى حال قررت واشنطن ممارسة حرب حافية أى (حرب برية أو عمليات استخباراتية قاسية) على إيران فإن غياب التغطية اللحظية يمنح المهاجم ميزة السرية المطلقة ويقلل من الضغط الشعبى الداخلى فى أمريكا والمجتمع الدولى وبذلك تجرىالحرب الخفية خلف الستار الأسود ويبقى السؤال لماذا قد تلجأ القوى العظمى لهذا الخيار وتكون الإجابة تعطيل الدفاعات السيبرانية لأن إيران تعتمد بشكل كبير على شبكاتها المحلية المرتبطة بالشبكة العالمية وقطع الاتصال قد يربك منظومات القيادة والسيطرة علاوة على خنق البروباغندا المضادة وغياب الإنترنت يعنى غياب صوت الطرف الآخر مما يجعل الرواية الوحيدة المتاحة هى ما يصدر عن غرف العمليات الرسمية وتجاوز الرأى العام فالحروب الحديثة تُكسب أو تُخسر فى ساحة الترند وبدون إنترنت لا يوجد ترند يعارض العمليات العسكريةبالرغم من أن الإنترنت صُمم ليكون لا مركزياً إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تسيطر على أغلب الخوادم الجذرية وممرات البيانات الكبرى. تقنياً وقطع الإنترنت عن كل العالم هو انتحار اقتصادى لأمريكا نفسها، لكن العزل الجغرافى لشبكات معينة هو أمر وارد وقابل للتنفيذ عبر التحكم فى بروتوكولات التوجيه وإن فكرة الحرب الصامتة تعيدنا إلى عصور ما قبل العولمة حيث كانت المعارك تدور خلف الجبال ولا يعلم العالم بنتائجها إلا بعد أسابيع إذا ساد الظلام الرقمى يوماً فهذا يعنى أن شيئاً ضخماً يتشكل فى الخفاء وأن العالم بأسره أصبح رهينة لصراع الإرادات الرقمية*.
*إن الاعتقاد بأن الإنترنت فضاء هلامى لا يمكن السيطرة عليه هو اعتقاد خاطئ فالإنترنت فى جوهره عبارة عن بنية تحتية مادية وبرمجيات تخضع لإدارة مركزية في نقاط حرجة ومن الوسائل التقنية التى يمكن من خلالها عزل دولة مثل إيران أو غيرها التلاعب ببروتوكول البوابة الحدودية ويُعتبر هذا البروتوكول بمثابة نظام الملاحة للإنترنت حيث يحدد المسارات التي تسلكها البيانات لتصل من وجهة إلى أخرى من خلال التحكم فى هذا البروتوكول ويمكن لمزودي الخدمة الكبار وأغلبهم شركات أمريكية يمكنهم إسقاط المسارات المؤدية إلى دولة معينة مما يجعلها غير مرئية لبقية العالم رقمياً وكأنها أسُقطت من خريطة الوجود السيبرانى ثم السيطرة على خوادم الأسماء الجذرية وهناك ١٣ خادماً جذرياً فى العالم تدير نظام أسماء النطاقات الذي يحول أسماء المواقع (مثل .com أو .ir) إلى عناوين IP.
بما أن الولايات المتحدة تشرف على إدارة الجزء الأكبر من هذه المنظومة عبر منظمة آيكان ICANN فإنها تقنياً قادرة على حجب نطاقات دولية كاملة مما يعطل تصفح المواقع الحكومية والخدمية لتلك الدولة من الخارج والداخل وتعد عملية قطع الكابلات البحرية ومراكز الربط القارى التى تعتمد الدول فى اتصالها بالشبكة العالمية على كابلات ألياف ضوئية تمر تحت المحيطات حيث توجد نقاط ربط إستراتيجية تسمى نقاط تبادل الإنترنت بالسيطرة العسكرية أو الفنية على هذه النقاط أوحتى قطع الكابلات فى المياه الدولية تحت بذرائع حوادث كفيل بعزل الدولة جغرافياً عن تدفق البيانات العالمية ثم الحرمان من السحابة والتحديثات البرمجية وبذلك تعتم أغلب أنظمة التشغيل ويندوز، أندرويد
والخدمات السحابية على شركات أمريكية فى لحظة الصراع يمكن حجب التحديثات الأمنية وتعطيل الخدمات السحابية مما يؤدي إلى انهيار تدريجي فى كفاءة الأجهزة والأنظمة الداخلية للدولة المستهدفة ويجعلها عرضة للشلل التكنولوجى التام حتى دون قطع السلك الفيزيائى*
*في نهاية المطاف ليست الحرب الحالية التى تدور رحاها بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى مجرد صراع على تدمير المنصات أو تعطيل الخوادم بل هى معركة على الحقيقة ذاتها إن امتلاك القدرة التقنية على عزل دولة بأكملها عن النسيج العالمى يعني تحويل الملايين من البشر إلى أشباح رقمية أفراد يعيشون ويموتون يتألمون ويقاومون
دون أن يسمع العالم صرختهم أو يرى معاناتهم سياسياً تمثل هذه الطريقة الإعدام الرقمى وقمة الاستبداد التكنولوجى حيث تتحول الكابلات البحرية والبروتوكولات البرمجية من أدوات للتواصل إلى مشانق للحرية عندما تُحجب المعلومات وتُعزل الشعوب خلف جدران الصمت السيبرانى تصبح الساحة مهيأة لارتكاب أبشع التجاوزات بعيداً عن الرقابة الدولية وتتحول الحرب من مواجهة عسكرية تقليدية إلى تصفية صامتة فى ظلام دامس ويمكن القول إن العبث بـمفاتيح الإنترنت لخدمة أجندات
حربية هو طعنة فى قلب الحضارة الإنسانية الحديثة فبينما يتفاخر العالم بالتقدم الرقمى نجد أنفسنا أمام حقيقة مرعبة أن حريتنا وربما حياتنا معلقة بخيط رفيع من الألياف الضوئية يملك الآخر حق قطعه متى شاء إنها ليست مجرد حرب على إيران أو غيرها بل هى جرس إنذار للبشرية جمعاء بأن استقلالنا الرقمى هو الضمانة الوحيدة المتبقية لكرامتنا الإنسانية فى عصر اللايقين*
yassir. mahmoud71@gmail.com



