(مسارب الضي) د. محمد تبيدي يكتب… حين يُصحَّح الخطأ من أعلى… وتبقى الأسئلة معلّقة ماذا هناك يابرهان!!

وعلى حد قولي:
ليس المنصب تاجَ عدلٍ في الرؤوس
إن غاب الضميرُ استحال سوطاً ونفوس
وما الوطن إلا كرامةُ أهله
فإن أُهينوا… ضاع المجدُ والدروس
لم تكن قضية الموظفة آيات محمد بولاية الخرطوم مجرد واقعة إدارية عابرة يمكن تجاوزها ببيان مقتضب أو تبرير بارد، بل شكّلت لحظة كاشفة لطبيعة الأزمة التي تعيشها الدولة السودانية في علاقتها بمواطنيها، وفي فهم بعض المسؤولين لمعنى السلطة وحدودها. قرار الإيقاف التعسفي، الصادر عن عضو بمجلس السيادة، لم يَمسّ آيات وحدها، بل مسّ فكرة العدالة نفسها، ووجّه رسالة سالبة لكل موظف بسيط مفادها أن الكرسي قد ينتصر أحياناً على الحق.
من هنا، جاء تدخل الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الإنتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، وتوجيهه باعتذار رسمي، خطوة مهمة في اتجاه إعادة الاعتبار، لا لآيات وحدها، بل لمبدأ كان على وشك أن يُدهس. كما تُحسب للبروفيسور كامل إدريس مبادرته للتصافي، ومحاولته معالجة الأمر بعقل الدولة لا بانفعال المواقع. هذا التدخل أعاد التوازن للمشهد، وأثبت أن تصحيح الخطأ، حين يأتي من أعلى، يمكن أن يحدّ من تمدد الظلم، ولو جزئياً.
غير أن الإشادة بهذا التصويب لا تعني إسدال الستار على أصل الفعل. السؤال الجوهري يظل قائماً
كيف وصلنا إلى مرحلة يُوقف فيها موظف عن عمله لمجرد اختلاف أو سوء تقدير؟
كيف تحوّلت بعض المناصب السيادية من مواقع رمزية جامعة إلى أدوات تصفية شخصية واستعراض نفوذ؟
هذه الأسئلة لا تخص شخصاً بعينه، بل تخص منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة صادقة.
المشهد يصبح أكثر قسوة حين يُقرأ في سياقه العام. السودان الخارج من ثورة رفعت شعار الحرية والعدالة، ثم من حربٍ أنهكت الناس وأفقرت البيوت، يجد نفسه اليوم أمام تجاوزات مسؤولين يفترض أنهم تعلّموا من الدم والدمع. الذي حدث لم يقم ليستبدل الناس وجهاً بوجه، ولا ليتحوّل الحلم العام إلى رفاهية خاصة.
الرحمة والخلود لكل من ضحّى بعمره من أجل كرامة البلاد والعباد، في هذه الحرب. والخذلان كل الخذلان أن يُسأل اليوم، بمرارة، إن كانت تلك الدماء ستذهب كما ذهبت دماء من قبل، بلا قصاص ولا عبرة.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة…..
Themastertabedy@gmail.com



