مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الحوار السوداني… ما بين الشحم والورم!

بيت شعر للمتنبي، يظل حكمة تمشي بين الناس، وستظل كذلك إلى قيام الساعة:

 

أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً

أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ

 

بيت أهديه إلى لجنة تهيئة الحوار السوداني، وهي تلتقي وتسافر وتطوف في دروب الحوار، راجياً أن تضعه نصب عينيها، وأن يكون هادياً لها وهي تبحث عن الطريق الذي يقود السودان إلى بر الأمان.

 

ففي المشهد السياسي السوداني كثير من الورم الذي ينبغي عدم الخلط بينه وبين الشحم. ورم في بعض الكيانات والجماعات وحتى الأحزاب، التي لا تمتلك قواعد شعبية حقيقية، ولا حضوراً مؤثراً وسط المواطنين، لكنها تمتلك منصات إعلامية وماكينات ضجيج تجيد صناعة الحضور الوهمي، تماماً كما يقول المثل الإنجليزي:

 

Empty barrels make the loudest noise.

 

فالبراميل الفارغة هي الأعلى ضجيجاً!

 

وهناك من يتوهم أن كثرة التصريحات والظهور الإعلامي والبيانات السياسية تمنحه وزناً شعبياً، بينما الحقيقة أن الوزن السياسي لا تصنعه الميكروفونات، ولا تقاس القواعد بعدد المتحدثين في الفضائيات، وإنما تقاس بما يقدمه الكيان من برامج وأفكار، وبمدى ارتباطه بقضايا الناس وآلامهم وتطلعاتهم.

 

إن الشعب السوداني الذي دفع أثماناً باهظة جراء جرائم المليشيات وما خلفته الحرب من دمار ونزوح وفقدان للأمن ومصادر الرزق، لم يعد لديه استعداد لسماع أسطوانات سياسية مشروخة، ولا لمشروعات هدفها الوحيد الوصول إلى السلطة، وكأن بعض السياسيين قد ولدوا ليحكموا لا ليخدموا!

 

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على لجنة تهيئة الحوار السوداني.

 

فليس المطلوب أن تجمع اللجنة أكبر عدد من الكيانات والأسماء، ولا أن تمنح صكوك الاعتراف السياسي لكل من يرفع صوته أو يمتلك منصة إعلامية. المطلوب أن تبحث عن أصحاب الأفكار والبرامج والرؤى القادرة على تقديم حلول حقيقية لمشكلات السودان.

 

على اللجنة أن تستمع لمن يملك إجابات عن أسئلة التنمية والإعمار والإنتاج، ومن لديه تصورات عملية لإصلاح الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ الاستقرار والسلام الاجتماعي.

 

وعليها أيضاً أن تبحث بعمق عن الأسباب التي جعلت السودان يتخلف عن اللحاق بالأمم التي نهضت وتجاوزت أزماتها، رغم ما يمتلكه من موارد طبيعية وبشرية وموقع استراتيجي وإمكانات اقتصادية هائلة.

 

لقد شبع الشعب السوداني من فذلكات السياسة، ومن صراعات المقاعد والمحاصصات وتقاسم السلطة، ومن وجوه ظلت تتبادل المواقع والمواقف دون أن تقدم للبلاد مشروعاً وطنياً يخرجها من أزماتها المتراكمة.

 

السودانيون اليوم يريدون أن يسمعوا عن مؤشرات التنمية، وأرقام الإنتاج، ومشروعات الإعمار، وفرص العمل، واستقرار سعر الصرف، وتوفير الدواء والغذاء والكهرباء والمياه. يريدون أن يروا أثراً ملموساً للحوار في حياتهم اليومية، لا مجرد صور تذكارية وبيانات ختامية.

 

إن نجاح الحوار لا يقاس بعدد المشاركين حول الطاولة، وإنما بما يخرج به من أفكار وبرامج قابلة للتنفيذ، وبقدرته على الإجابة عن سؤال المواطن البسيط: ماذا سيتغير في حياتي؟

 

ولذلك، فإن لجنة تهيئة الحوار مطالبة بأن تميز بين الشحم والورم، وبين الوزن الحقيقي والضجيج الإعلامي، وبين من يريد أن يخدم السودان ومن يريد أن يصل إلى السلطة عبر بوابة الحوار.

 

فالسودان لا يحتمل مزيداً من الأورام السياسية، ولا يحتاج إلى تضخيم الأجسام والكيانات، وإنما يحتاج إلى عقول تنتج، وأيدٍ تعمل، وبرامج تنهض بالبلاد.

 

الشعب السوداني يتطلع إلى الشحم الذي يمد جسده بالطاقة والحيوية، ولا يريد الورم الذي ينتهي به إلى غرفة العناية المركزة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى