د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… إلى متى يستحوذ الطب على نوابغ الشهادة السودانية؟

منذ أن تفتحت أعيننا على نتائج الشهادة السودانية، ظل مشهد أوائل الطلاب يتكرر بصورة تكاد تكون ثابتة؛ يذهب معظم العشرة الأوائل في قسم الأحياء إلى دراسة الطب، وكأن التفوق العلمي لا يكتمل إلا بارتداء المعطف الأبيض!
ولم يحدث، إلا في حالات نادرة، أن حاد أحد عن هذا الاتجاه.
لا نختلف على مكانة الطب وأهميته، ولا نقلل من شأن مهنة إنسانية عظيمة، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كل هؤلاء النوابغ خُلقوا ليكونوا أطباء؟ ومن المسؤول عن توجيه هذا الكم الهائل من العقول المتفوقة إلى مسار واحد، بينما تظل قطاعات أخرى في السودان تنتظر من ينقذها بالعلم والبحث والابتكار؟
الأسباب معروفة، وهي في معظمها اجتماعية ومادية. فالطبيب في مجتمعنا يتمتع بمكانة اجتماعية خاصة، ويسبقه لقبه في تحركاته، ويجذب الأنظار أينما ذهب. كما أن العائد المادي والمكانة المهنية يجعلان الطب الخيار الأول لدى الأسر والطلاب.
ولكن أين الدولة من كل ذلك؟
لماذا لم تبادر الدولة إلى وضع سياسات وبرامج تستقطب هؤلاء النوابغ إلى مجالات أخرى لا تقل أهمية عن الطب، بل ربما تكون أكثر إلحاحاً في مرحلة بناء السودان واستعادة قدراته؟
نحن في أمسّ الحاجة إلى عقول متفوقة في الاقتصاد، والبحوث الزراعية، والطاقة، والتكنولوجيا، والثروة الحيوانية.
نحتاج إلى علماء في الثروة السمكية، والبيوغاز، وإنتاج السماد العضوي، والتقنيات الزراعية الحديثة، والصناعات الغذائية، والصناعات الدوائية. ونحتاج إلى باحثين قادرين على تحويل موارد السودان الهائلة من مجرد مواد خام إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
كما نحتاج إلى نوابغ في المجالات العسكرية والتكنولوجية والهندسية، فهذه المجالات أصبحت من أهم أدوات بناء قوة الدول وصناعة استقلالها وهيبتها.
إن الدول لا تُبنى بالأطباء وحدهم، كما لا تُقاس نهضتها بعدد المستشفيات فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا وتعظيم مواردها وتحويل العلم إلى قوة اقتصادية وإنتاجية.
المطلوب من الدولة أن تتحرك مبكراً، وأن تجلس مع أوائل الشهادة السودانية وأسرهم، وتعرض عليهم مسارات علمية ومهنية جديدة، مدعومة بمنح دراسية متميزة، وفرص ابتعاث، وضمانات للتوظيف، ورواتب وحوافز مجزية، ومراكز بحثية مجهزة، مع توفير فرص حقيقية للمشاركة في مشروعات التنمية الوطنية.
لا يكفي أن نقول للطالب اذهب إلى الزراعة أو الاقتصاد أو الطاقة، بينما تظل المزايا الاجتماعية والمادية محصورة في مهن بعينها.
علينا أن نجعل دراسة الاقتصاد والعلوم الزراعية والطاقة والتكنولوجيا خياراً جذاباً ومنافساً للطب، وأن نمنح المتفوقين فيها المكانة التي يستحقونها.
إن استثمار العقول النابغة ليس ترفاً أكاديمياً، بل استثمار استراتيجي في مستقبل السودان. وربما يكون عالم زراعة واحد قادراً على إحداث تحول في إنتاجنا الغذائي، أو باحث في الطاقة قادراً على تغيير واقع الكهرباء، أو متخصص في الثروة السمكية قادراً على تحويل بحيراتنا وأنهارنا إلى ثروة اقتصادية هائلة.
ويبقى السؤال الذي أرجو أن تجد الدولة إجابة عملية له:
هل نرى في العام القادم أوائل الشهادة السودانية يتجهون إلى كلية الاقتصاد، والعلوم الزراعية، والطاقة والتكنولوجيا، بدلاً من أن يكون الطب هو الوجهة شبه الحصرية لكل المتفوقين؟
أتمنى ذلك.
فالسودان لا يحتاج إلى أطباء فقط، وإنما يحتاج إلى عقول تبني دولة وتؤسس لاقتصاد وتفتح أبواب المستقبل.



