مقالات الظهيرة

الذرة الرفيعة… كنز السودان الغذائي المنسي…ثروة الأرض التي صنعت مائدة السودانيين!!

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

الذرة الرفيعة… كنز السودان الغذائي المنسي

 

الجزء الأول: ثروة الأرض التي صنعت مائدة السودانيين

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

ليس السودان بلداً فقيراً في موارده، ولا أمةً عاجزة عن تأمين غذائها؛ ولكنه، في كثير من الأحيان، بلدٌ لم يُحسن استثمار ما أودع الله في أرضه من خيرات. ومن بين تلك الخيرات محصولٌ ارتبط بتاريخ الإنسان السوداني، وصبر مزارعه، وذاكرة قراه، ومائدة أسرته؛ إنه الذرة الرفيعة، ذلك المحصول الذي ظل قروناً أحد أعمدة الأمن الغذائي في السودان.

 

لقد عرف السودانيون الذرة غذاءً أصيلاً، فصنعوا منها العصيدة والكسرة والقراصة وأنواعاً متعددة من الأطعمة الشعبية. ولم تكن هذه المأكولات مجرد عادات متوارثة، بل كانت تعبيراً عن علاقة عميقة بين الإنسان وأرضه، وعن قدرة المجتمع على توظيف موارده المحلية في مواجهة تقلبات الحياة.

 

والذرة الرفيعة ليست مجرد محصول تقليدي؛ إنها ثروة غذائية تستحق أن ننظر إليها بعين العلم والاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي. فهي من المحاصيل التي تلائم، بحسب أصنافها وظروف زراعتها، البيئات الحارة والمناطق التي تتفاوت فيها معدلات الأمطار، الأمر الذي يمنحها أهمية خاصة في بلد واسع المساحة ومتعدد المناخات مثل السودان.

 

ومن الناحية الغذائية، تحتوي حبوب الذرة الرفيعة الكاملة على الكربوهيدرات التي تمد الجسم بالطاقة، كما توفر الألياف الغذائية التي تسهم في تحسين الهضم وتعزيز الشعور بالشبع. وتضم كذلك معادن مهمة، منها المغنيسيوم والفوسفور والحديد والزنك، إلى جانب مركبات نباتية ذات خصائص مضادة للأكسدة، وتختلف نسب هذه العناصر باختلاف الصنف ولون الحبوب وطريقة الطحن والتجهيز.

 

وتزداد أهمية بعض الأصناف الملونة لاحتوائها على مركبات فينولية ومكونات نباتية نافعة. كما تشير الدراسات الغذائية إلى أن بعض أنواع الذرة الرفيعة قد تحتوي على نشا أبطأ هضماً من غيره، لكن الاستجابة الغذائية تختلف بحسب الصنف وطريقة التحضير وكمية الطعام المتناولة؛ ولذلك لا يصح أن ننسب إليها علاجاً للأمراض، وإنما نضعها في موضعها الصحيح بوصفها جزءاً من غذاء متوازن ومتنوع.

 

ومن مزايا الذرة الرفيعة أنها خالية طبيعياً من الغلوتين، وهو ما يجعلها خياراً مهماً لمن يتعين عليهم تجنب هذه المادة، مع ضرورة ضمان عدم اختلاطها بالقمح أثناء الطحن والتخزين والتصنيع.

 

إننا حين نتحدث عن الذرة الرفيعة لا ندعو إلى تمجيد الماضي لمجرد أنه ماضٍ، ولا إلى رفض كل ما يأتي به العلم الحديث؛ بل ندعو إلى الجمع بين أصالة محصولنا الوطني وإمكانات البحث العلمي والتكنولوجيا الغذائية الحديثة.

فالمحصول الذي أطعم أجيالاً من السودانيين يمكن أن يكون أساساً لصناعات غذائية متطورة، تتجاوز حدود العصيدة والكسرة إلى منتجات جديدة تلائم احتياجات المدن والأسواق الحديثة.

 

إن الذرة الرفيعة تستحق أن تعود إلى موقعها المستحق في الوعي الوطني، لا باعتبارها غذاءً اضطرارياً للفقراء، وإنما باعتبارها مورداً استراتيجياً يحمل فرصاً للصحة والإنتاج والتنمية.

 

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الذرة الرفيعة بهذه القيمة الغذائية، فلماذا أصبح رغيف الخبز السوداني مرتبطاً بدقيق القمح الأبيض المستورد؟ وهل يمكن أن تدخل ذرتنا الوطنية إلى صناعة الخبز الحديث، لتكون شريكاً حقيقياً للقمح في مائدة السودانيين؟

 

هذا ما نناقشه في الجزء الثاني: «رغيف الخبز بين دقيق القمح الأبيض ودقيق الذرة السودانية»؛ حيث نقترب من الفروق الغذائية والتقنية، ونبحث إمكان تطوير رغيف سوداني يجمع بين الجودة والقيمة الغذائية والاعتماد على مواردنا المحلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى