داخل خارطة طريق السودان أولاً… هل يولد القادة… أم يُصنعون؟

تقرير صحفي استقصائي خاص (3)
كيف تقترح خارطة طريق السودان أولاً بناء القيادات من المجتمع قبل الوصول إلى مؤسسات الدولة؟
تقرير خاص:
—————–
لمتابعة تحديثات السودان أولاً يمكنكم الإنضمام الى المجموعة
https://chat.whatsapp.com/Bvt9NUWd5Bd9px783EeDwZ
—————–
♦️ من أكثر الأسئلة حضورًا في النقاش السوداني سؤال يتكرر مع كل أزمة سياسية:
من أين تأتي القيادات التي تدير الدولة؟
هل تُنتجها الأحزاب؟ أم تفرضها الظروف؟ أم يختارها الناس عندما تحين الانتخابات؟
لكن عند قراءة خارطة طريق السودان أولاً، يتضح أن المشروع ينطلق من سؤال مختلف تمامًا:
كيف نبني منظومة قادرة على إنتاج قيادات وطنية جديدة بصورة مستمرة؟
فبحسب الرؤية التي طورها مركز السودان أولاً للدراسات والتخطيط الاستراتيجي، لا تكمن المشكلة في نقص الأشخاص، وإنما في غياب منظومة وطنية لاكتشاف القيادات، وتأهيلها، وتصعيدها تدريجيًا وفق معايير واضحة ومعلنة.
ولهذا لا تبدأ الخارطة بالبحث عن رئيس للدولة، بل تبدأ ببناء البيئة التي تُنتج القادة.
■ لماذا يفشل البحث عن “المنقذ”؟
ترى الرؤية أن كثيرًا من الدول التي عانت أزمات طويلة وقعت في خطأ تكرار البحث عن “القائد المنقذ”، بينما أثبتت التجارب أن الدول المستقرة لا تقوم على الأشخاص، وإنما على المؤسسات، وأن المؤسسات لا تصبح قوية إلا عندما تمتلك نظامًا دائمًا لإعداد القيادات.
ولهذا لا تبحث خارطة الطريق عن بطل جديد، وإنما عن نظام يصنع آلاف القادة في مختلف المستويات، بحيث يصبح استمرار الدولة مرتبطًا بقوة منظومتها، لا باستثنائية أفرادها.
■ القيادة تبدأ بالخدمة
تقدم الخارطة مفهومًا مختلفًا للقيادة.
فالقيادة ليست منصبًا، ولا امتيازًا، ولا وسيلة للوصول إلى السلطة، وإنما مسؤولية تبدأ بخدمة المجتمع.
وترى الرؤية أن الإنسان الذي ينجح في خدمة جيرانه، وتحمل المسؤولية، والعمل بروح الفريق، هو الأجدر بالانتقال إلى مسؤوليات أكبر.
وبذلك تصبح القيادة نتيجة طبيعية للعطاء، لا نقطة البداية له.
■ كيف تبدأ صناعة القيادات؟
لفهم هذه الفلسفة، تضع خارطة الطريق مثالًا افتراضيًا يقوم على أن عدد سكان السودان يبلغ 45 مليون نسمة.
وبناءً على هذا التقدير، يُقسم المجتمع إلى نحو 450 ألف ركيزة، تضم كل ركيزة في المتوسط قرابة مائة شخص من الأسر المتجاورة.
وفي كل ركيزة يتشكل مجلس رعاة الركيزة، ويتكون غالبًا من ثلاثة إلى أربعة أعضاء، يختار من بينهم مفوض الركيزة.
وبذلك يصبح لدى السودان، في المرحلة الأولى وحدها، ما يقارب 450 ألف مفوض ركيزة، يمثلون أكبر قاعدة وطنية للقيادات المجتمعية.
ولا تشترط الرؤية في هذه المرحلة سوى توافر الصفات الأساسية، وفي مقدمتها:
• الأمانة.
• روح العطاء.
• حسن السيرة والسلوك.
• سجل عدلي خالٍ من الجرائم.
وترى الخارطة أن هذه المرحلة لا تهدف إلى إنتاج قيادات سياسية، وإنما إلى اكتشاف الأشخاص الذين يحظون بثقة مجتمعهم، ويقدمون الخدمة قبل أن يطلبوا المسؤولية.
■ من الركيزة إلى الألفية
بعد ذلك تنتقل عملية التصعيد إلى المستوى التالي، وهو الألفية، التي تتكون من عشر ركائز متجاورة.
ومن بين مفوضي الركائز يُختار عمدة الألفية ونائب العمدة، ليكونا مؤهلين للتصعيد إلى المستوى الأعلى.
وبهذه الآلية يتكون في السودان ما يقارب 90 ألف قائد بين عمد ونواب عمد، يمثلون المستوى الثاني في هرم القيادة المجتمعية.
وترتفع هنا معايير الاختيار، فلا تقتصر على الصفات الأخلاقية، بل تضاف إليها شروط مهنية ومعرفية أكثر دقة.
■ العشرية… مدرسة القيادات الوطنية
عندما تنتظم عشر ألفيات في مستوى واحد، تتكون العشرية، التي تضم في المتوسط عشرة آلاف مواطن.
وفي هذا المستوى لا تكتفي الخارطة بالصفات الأساسية، وإنما تضيف شروطًا جديدة، من أهمها:
• الحصول على مؤهل جامعي.
• عدم شغل أي منصب سياسي في حكومات سابقة.
• القدرة على الإدارة والعمل المؤسسي.
• اجتياز برامج التأهيل والتدريب.
كما يخضع المرشحون لبرنامج تدريبي متكامل يشمل:
• دراسة السودان من منظور قومي.
• التعرف إلى الجغرافيا والثروات والموارد الوطنية.
• دراسة فلسفة خارطة طريق السودان أولاً.
• الأمن المجتمعي والرصد المبكر.
• القيادة والإدارة والعمل المؤسسي.
• إدارة الأزمات والعمل الجماعي.
وترى الرؤية أن التدريب ليس نشاطًا إضافيًا، بل جزء أساسي من صناعة القائد.
■ من أين تأتي قيادات الدولة؟
توضح الخارطة أن مجالس نخب العشريات تمثل الخزان الوطني الذي تُصعد منه القيادات إلى المستويات الأعلى.
ومن داخل هذه المجالس يتم اختيار من يمثلون المحلية، ثم الولاية، ثم مجلس أمناء الدولة، وغيرها من المؤسسات العليا.
وبذلك تكون جميع القيادات قد مرت بمراحل متدرجة من الخدمة، والعمل المجتمعي، والتدريب، واكتساب الخبرة، قبل وصولها إلى مواقع المسؤولية.
وهنا تختلف الفلسفة عن النماذج التقليدية التي يبدأ فيها بعض المسؤولين إدارة الدولة دون أن يسبق لهم العمل في مستويات مجتمعية متدرجة.
■ هل يكفي وجود قائد جيد؟
تجيب الرؤية بالنفي.
فالدول لا تنهض بوجود قائد متميز فقط، وإنما بمنظومة متكاملة تُنتج قيادات جديدة بصورة مستمرة.
ولهذا لا تراهن خارطة الطريق على شخص واحد، بل على بناء مئات الآلاف من القيادات المجتمعية، ثم تصعيد أفضلهم تدريجيًا حتى تصل الدولة إلى قمة هرمها القيادي.
إنها فلسفة تقوم على أن قوة الدولة تقاس بقوة القاعدة التي خرجت منها قياداتها.
■ فلسفة جديدة في بناء الدولة
يمكن تلخيص فكرة التقرير في أن خارطة طريق السودان أولاً لا تسأل:
“من سيقود السودان؟”
بل تسأل:
“كيف نبني منظومة تُنتج أفضل القيادات جيلاً بعد جيل؟”
وبين السؤالين فرق جوهري.
فالأول يبحث عن أشخاص.
أما الثاني فيبني نظامًا يبقى بعد الأشخاص.
■ خلاصة التقرير
تقدم خارطة طريق السودان أولاً تصورًا يجعل القيادة رحلة تبدأ من المجتمع، وتمر بمحطات متدرجة من الخدمة والتأهيل والتدريب، قبل الوصول إلى مؤسسات الدولة.
وتقوم هذه الفلسفة على أن القيادة ليست حقًا مكتسبًا، ولا امتيازًا سياسيًا، وإنما مسؤولية يثبت الإنسان أهليته لها عبر العمل والإنجاز واكتساب ثقة المجتمع.
وتراهن الرؤية على أن بناء منظومة تُنتج مئات الآلاف من القيادات المؤهلة سيكون أكثر استدامة من الاعتماد على ظهور قائد استثنائي كلما دخل السودان أزمة جديدة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه هذا التقرير أمام القارئ:
إذا كانت الدول القوية تُبنى بمؤسسات يقودها أشخاص أثبتوا جدارتهم عبر سنوات من الخدمة والتأهيل… فهل يمكن أن يكون بناء منظومة وطنية لإعداد القيادات هو أحد مفاتيح استقرار السودان في المستقبل؟
ــــــــــــــــــــ
في التقرير القادم…
داخل خارطة طريق السودان أولاً
التقرير الصحفي الاستقصائي رقم (4)
“لماذا تقترح خارطة طريق السودان أولاً مجلس أمناء الدولة؟
وكيف يمكن لتمثيل المجتمع من القاعدة إلى القمة أن يصنع مرجعية وطنية واسعة تسهم في ترسيخ الاستقرار وبناء الدولة؟



