صَمْتُ العُقَلاءِ فِي زَمَنِ الانْكِسَار: عَنْ غِيَابِ العَقْلِ الاِقْتِصَادِيّ وَفَرِيضَةِ المُبَادَرَة

بقلم / د. إسماعيل الحكيم :
تمر البلاد بمُنْعَطَفٍ هو الأشد ضراوة في تاريخها الحديث؛ خراب ينهش المفاصل، وتضخم يطحن الأقوات، وواقع اقتصادي يتهاوى تحت وطأة الأزمات المتلاحقة. وفي أوج هذا الهوان، يبرز سؤال يعتصر القلوب ألماً ويثير في النفوس الريبة: أين خبراء الاقتصاد؟ أين أُولُو الحل والعقد من أهل الاختصاص؟ لماذا خنست الأصوات واستكانت العقول، وما أكثرها في دفاتر الشهادات والألقاب؟
إن هذا الصمت المتباقي لم يعد موقفاً سلبياً مجرداً ، إنما أضحى أقرب إلى الخيانة الفكرية والتنصل الأخلاقي. فحين تعصف الأزمات بالأمم، لا تُقاس قيمة العَالِم بحجم المعرفة المخزونة في رأسه، ولكن بمدى جسارته في التصدي واجتراح الحلول. إننا اليوم في أشد الحاجة إلى مبادرة اقتصادية سودانية خالصَة؛ تصلح أن تكون خارطة طريق لا تداهن المشهد، ولا تكتفي بالتشخيص المجاني المألوف، إنما تخوض بجسارة في جذور الأزمة الممتدة، لتقدم رؤية إستراتيجية جريئة وحلولاً عاجلة قابلة للإينفاذ.
لقد استشرى في ثقافتنا الوطنية وَهْمٌ جامح مفاده أن “الحكومة” هي الصانع الوحيد للحاضر والمستقبل، وأنها المكنة التي ينبغي أن تؤدي كل شيء؛ فإذا عجزت، صببنا عليها جام غضبنا ولمناها على القصور. هذا المفهوم الاتكالي الرث لا بد أن يُدكّ دكاً. فالحكومة اليوم—وبصرف النظر عن سيئاتها وحسناتها—مشغولة بإدارة حرب المصير ووجود الدولة نفسها، ومن العبث انتظار الحلول الإعجازية من أروقة جهاز تنفيذي يصارع كي لا ينهار. إن هذا الوقت هو وقت الفَزَعِ الأهليّ المعرفي، وقت الكفاءات المسؤولة التي تفكر خارج صندوق المناهج المعهودة .
إن المواطن الصالح ليس مستهلك للقرارات أو متفرج ينتظر الفرج؛ ولكنه الرقم الأصعب في معادلة البقاء الاقتصادي. تصحيح الوعي المجتمعي يبدأ من إدراك أن الإسهام المدني والأكاديمي والمهني ليس نافلة أو تطوعاً، بل هو فريضة شرعية ووطنية وأمانة ثقيلة . فالصمت في زمن المجاعة والاحتراق ليس زهداً، ولكنه معصية؛ وصياغة الحلول ليست نفلاً، إنما هي «مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ» ليخرج الجميع من براثن المسؤولية أمام الله ثم أمام التاريخ.
ولكي لا تظل هذه المبادرة مجرد صرخات في الوادي، فإن المسؤولية تقتضي التداعي الفوري لتشكيل مجلس طوارئ اقتصادي مستقل، يضم صفوة الخبراء الماليين والزراعيين والصناعيين بعيداً عن المحاصصات السياسية الضيقة. إن هذا المجلس مطلوب منه صياغة خارطة أولويات قاسية، تركز على تأمين السلة الغذائية العاجلة، وحماية القيمة النقدية للعملة، ودعم الإنتاج المحلي الصغير، مع فتح مسارات مبتكرة للعون الشعبي والدولي، عبر آليات شفافة تتيح للمهاجرين ورأس المال الوطني الضخ المباشر في العصب الإنتاجي الحيوي لا في جيوب البيروقراطية.
إن هذا النداء ليس الرجاء الأخير، لكنه الصرخة الواجبة في وجه كل من يملك فكراً ويلتزم صمتاً. لم يعد هناك اتساع للمتاجرة بالألقاب؛ فإما أن ينهض أهل الاختصاص ليكونوا صَدّاداً لهذا الهوان، أو يستعدوا للوقوف في محكمة التاريخ صامتين كما صمتوا اليوم.



