مقالات الظهيرة

(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب… الطاهر في الميدان.. هكذا أجبر والي الجزيرة الأسعار على التراجع….ود مدني.. حين يتحول الوالي من متابع إلى مقاتل في معركة المعيشة

ليست ولاية الجزيرة ولاية كباقي الولايات، هي رئة السودان التي يتنفس بها، ومخزنه الذي يأكل منه، وميزانه الذي به يستقيم عيش الناس أو يضطرب. فمن يلي أمرها إنما يلي أمر معاش ملايين السودانيين، ومن هنا فإن معركة الأسعار فيها ليست معركة سوق، بل معركة وجود.

 

أدرك هذه الحقيقة جيداً والي ولاية الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير، فلم يتعامل مع ملف الغلاء كملفٍ يُدار بالمكاتبات والتقارير، بل كهمٍ شخصي يؤرقه. فالرجل الذي عُرف عنه الانفعال الصادق بقضايا الناس، والغضب الحميد إذا مُسَّ قوت المواطن، قرر أن يخرج من مكتبه إلى حيث تُصنع الأزمة وتُحسم.

 

في جولة ميدانية مفاجئة وغير بروتوكولية إلى سوق الجملة بود مدني صباح 15 سبتمبر، نزل الوالي بنفسه، تفقد، سأل، حاسب، وأصغى لنبض التجار. لم يكن زائراً، بل كان مسؤولاً منفعلاً، مهموماً، يحمل على عاتقه ثقل معاناة الأسر. وهناك قالها واضحة لا لبس فيها: أمن المواطن المعيشي خط أحمر، ومن يقترب منه سنقترب منه بإجراءات الدولة الرادعة.

 

ولم يكن الانفعال وحده، بل تبعه الفعل. فبتوجيهات مباشرة منه، تحركت آلة الحكومة كاملة. وزارة المالية، إدارة التجارة، المؤسسة التعاونية العسكرية، الغرف التجارية والصناعية، كلها في خندق واحد، تعمل بتناغم لتنفيذ خطة عاجلة أطلقها الوالي بنفسه: افتتاح مراكز للبيع المخفض في كل محليات الولاية، وضخ سلال غذائية مدعومة للعاملين ومحدودي الدخل، وكسر حلقات الوساطة التي تضاعف الأسعار دون وجه حق.

 

وقد كان الأثر فورياً ومزلزلاً. فجوال السكر زنة 50 كيلوجراماً الذي كان يلهب ظهور الناس بسعر 410 آلاف جنيه، هوى في ذات اليوم إلى 360 ألف جنيه، في تراجع حاد كسر حاجز الصمت وأعاد الثقة إلى السوق. وهو تراجع ليس معزولاً، بل هو بداية منحنى هبوط متوقع، كما يؤكد تجار الجملة، مع استمرار تدفق السلع ووفرة المعروض التي ضمنتها حكومة الولاية.

 

إن ما فعله الطاهر إبراهيم الخير يؤسس لمدرسة جديدة في الحكم، مدرسة الوالي الميداني، الذي لا يقرأ عن معاناة الناس في التقارير، بل يقرأها في وجوههم داخل السوق. وقد أثبتت التجربة أن الأسعار لا تنخفض بالتمني، بل بالرقابة الحية، والوجود الحكومي، والإرادة السياسية التي تنحاز بوضوح للمواطن ضد الجشع.

 

لقد استعادت ود مدني اليوم شيئاً من هدوئها، وأرسلت الجزيرة رسالة لكل السودان: أن الغلاء يمكن أن يُهزم، إذا وُجد الوالي الذي ينفعل لأجله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى