(همسة وطنية) د. طارق عشيري يكتب… العقلية السودانية وكيف تنظر إلى الوطن بعد الحرب!!

لازلت علي قناعه تامه بحب اهل السودان لوطنهم وما حرب الكرامة الا دليلا علي ذلك فالارواح والتضحيات التي قدمت لم يتم حصرها حتي الان لكنها ملايين من القصص والروايات التي نفخر بها( انتماء) لهذا الوطن وهو ليس( مجرد أرض) نعيش فوقها، ولا (حدوداً ترسمها) الخرائط، (ولا حكومة) تأتي وأخرى تذهب(. الوطن) هو (الفكرة التي تسكن في عقول أبنائه)، و(القيمة) التي تظهر في مواقفهم، وا(لمسؤولية) التي يتحملونها عندما تشتد الأزمات.
واليوم، ونحن نتطلع إلى مرحلة ما بعد الحرب، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف ستنظر( العقلية السودانية) إلى الوطن بعد كل ما حدث؟ وهل سنخرج من الحرب بعقلية جديدة، أم سنعود إلى الأسباب نفسها التي ساهمت في صناعة أزماتنا؟
الحرب لم تدمّر المباني والبنية التحتية فقط، بل تركت جراحاً عميقة في المجتمع، وأثرت في العلاقات بين الناس، ووسّعت دائرة الخوف والشك والانقسام. ولذلك فإن إعادة إعمار السودان بعد الحرب لن تكون مجرد إعادة بناء الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس، وإنما ستكون قبل ذلك (إعادة بناء الإنسان السوداني والعقلية السودانية)
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة ما بعد الحرب هو أن نعتقد أن (انتهاء القتال) وحده يعني( انتهاء الأزمة). فالحرب قد تتوقف بالسلاح، لكن آثارها لا تنتهي إلا بالوعي، والمصالحة، والعدالة، وإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن.
وهنا يأتي السؤال الحقيقي: هل ننظر إلى السودان باعتباره( غنيمة) نتنافس عليها، أم( وطناً) نتشارك في إنقاذه؟
لقد ظل السوداني معروفاً بحبه العميق لوطنه، وبكرمه وشهامته وصبره وقدرته على تجاوز المحن. لكن المرحلة القادمة تتطلب أكثر من (المشاعر الوطنية)؛ إنها تتطلب تحويل (حب الوطن) إلى( مسؤولية وسلوك وعمل يومي).
فالوطن في مرحلة ما بعد الحرب سيكون في حاجة إلى كل أبنائه. سيكون في حاجة إلى من يعيد بناء المدارس، ومن يعالج المرضى، ومن يعيد تشغيل الاقتصاد، ومن يزرع الأرض، ومن يعيد إعمار المدن، ومن يضمد جراح الناس، ومن يرفض خطاب الكراهية، ومن يختار الحوار بدلاً من العنف.
(العقلية الوطنية الجديدة)يجب أن تدرك أن السودان لا يمكن أن يُبنى بعقلية الإقصاء. فلا( أحد يملك الوطن وحده)، ولا (حزب يحتكره)، ولا( قبيلة تستطيع أن تصنع مستقبله منفردة). السودان أكبر من( الأحزاب والقبائل والمصالح الفردية)، ومستقبله يجب أن يكون مسؤولية (مشتركة) بين جميع أبنائه.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، نحن في حاجة إلى الانتقال من عقلية من انتصر؟ إلى عقلية كيف نُنقذ ما تبقى ونبني من جديد؟
نحتاج إلى الانتقال من البحث عن( الانتقام) إلى البحث عن( العدالة)، ومن تبادل (الاتهامات) إلى تحمل (المسؤولية)، ومن انتظار الدولة لتفعل كل شيء إلى (إدراك) أن كل مواطن هو (شريك) في إعادة بناء الدولة.
فالدولة لا تُبنى فقط في القصور ومكاتب السياسة، وإنما تُبنى في المدرسة والشارع والمزرعة والمستشفى والجامعة والسوق. يبنيها المعلم في فصله، والطبيب في مستشفاه، والمزارع في أرضه، والعامل في موقعه، والشاب في مبادرته، والإعلامي في كلمته، وكل مواطن في احترامه للقانون وإيمانه بالمصلحة العامة.
لقد كشفت الحرب (حقيقة مؤلمة) عندما تضعف الدولة، (لا ينجو أحد.) وعندما ينهار الوطن، لا تستطيع الانتماءات الصغيرة أن توفر بديلاً دائماً عن الدولة الجامعة. لذلك فإن الدرس الأكبر الذي يجب أن نخرج به هو أن حماية السودان لا تكون بحماية مصالحنا الضيقة، وإنما ببناء دولة قوية وعادلة تتسع للجميع.
مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تكون فرصة لمراجعة أنفسنا. لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا خسرنا؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: ماذا تعلمنا؟
هل تعلمنا أن خطاب الكراهية يمكن أن يهدم مجتمعاً كاملاً؟
هل تعلمنا أن الانقسام يضعف الجميع؟
هل تعلمنا أن الوطن لا يمكن أن يقوم على الإقصاء؟
وهل تعلمنا أن السلام الحقيقي لا يعني فقط صمت البنادق، بل يعني أن يشعر المواطن بالأمان والعدالة والكرامة والانتماء؟
إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى عقلية وطنية جديدة، تنظر إلى المستقبل أكثر مما تغرق في الماضي، وتبحث عن ما يجمع السودانيين أكثر مما تبحث عن ما يفرقهم.
نحتاج إلى سوداني يسأل: ماذا يمكن أن أفعل لإعادة بناء بلدي؟ بدلاً من أن ينتظر دائماً من سيقوم بالمهمة نيابة عنه.
فإعادة بناء السودان ليست مسؤولية حكومة وحدها، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مشروع جيل كامل.
إن الوطن الذي ستتركه الحرب خلفها سيكون محتاجاً إلى أبنائه أكثر من أي وقت مضى. وسيكون أمام السودانيين خيار تاريخي: إما أن نعيد إنتاج الماضي بصراعاته وانقساماته، أو أن نحول الألم إلى درس، والدمار إلى بداية جديدة، والمأساة إلى دافع لبناء وطن أكثر عدالة واستقراراً.
فمرحلة ما بعد الحرب ليست مجرد مرحلة لإعادة بناء ما تهدم، وإنما هي فرصة لإعادة تعريف علاقتنا بالوطن.
وعندما نصل إلى قناعة بأن السودان ليس ملكاً لجيل واحد، ولا لفئة واحدة، بل أمانة في أعناقنا جميعاً، عندها فقط يمكن أن تبدأ إعادة الإعمار الحقيقية.
فالسودان لن ينهض فقط عندما تُبنى الجسور والطرق والمباني، بل سينهض عندما( تُبنى الثقة بين أبنائه)، وعندما يصبح (الوطن أكبر من خلافاتهم)، وعندما يسكن السودان في (العقل كما يسكن في القلب).
وما بعد الحرب يجب ألا يكون عودة إلى ما قبلها، بل بداية لوعي جديد، لأن الشعوب لا تتعلم من الحروب (عندما تنساها، وإنما عندما تفهم أسبابها) وتقرر ألا تسمح بتكرارهاوسودان مابعد الحرب اقوي واجمل



