مقالات الظهيرة

رؤية وطنية: نكتب للوطن ونفكر للمستقبل.. شباب السودان: نصف الحاضر وكل المستقبل!!

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي:

ما أجمل أن يُخاطَب الشباب في وطنٍ أنهكته الحروب، لا باعتبارهم وقودًا للمعارك، ولا أرقامًا في سجلات الإحصاء، ولا أصواتًا تُستدعى في مواسم السياسة، وإنما باعتبارهم نصف الحاضر وكل المستقبل.

 

ومن هنا جاءت كلمات الباشمهندس طارق حمزة زين العابدين في مقاله «السودان أكبر من خلافاتنا: نداء إلى جيل البناء والسلام» لتطرق بابًا طالما طرقناه من قبل، ولكنها هذه المرة تطرقه بقلبٍ يعرف أن السودان لن يخرج من محنته إلا إذا خرج شبابه من دائرة الانتظار إلى ميدان الفعل، ومن مرارة الخلاف إلى رحابة البناء.

 

وإنني إذ أكتب هذه الكلمات تأييدًا لما طرحه الباشمهندس طارق، أحرص أن أسجل له حقه الأدبي والفكري كاملًا؛ فقد أحسن حين اختار الشباب مخاطَبًا، وأحسن حين وضع أمامهم السودان لا بوصفه ماضيًا نبكي عليه، وإنما مستقبلًا ينبغي أن نصنعه.

 

فله منا التحية والتقدير، وله الشكر على هذا النداء الوطني الصادق.

 

يا شباب السودان… إن الوطن يناديكم

 

يا شباب السودان…

 

يا من ولدتم في زمنٍ كان ينبغي أن يكون زمن المدارس والجامعات والملاعب والمصانع، فإذا به زمن البنادق والخنادق والنزوح والقلق؛ يا من سرقت الحرب من بعضكم مقاعد الدراسة، ومن بعضكم أحلام الطفولة، ومن بعضكم سنوات العمر…

 

لا تجعلوا الحرب تسرق منكم المستقبل أيضًا.

 

لقد مضى جيلٌ من السودانيين وهو يحاول أن يطفئ حرائق السياسة، ويمد جسور المصالحة، ويبحث عن وطنٍ يجد فيه الجميع مكانًا تحت الشمس. وربما أخطأ هذا الجيل، وربما أصاب، وربما حملته الظروف إلى طرق لم يكن يريدها.

 

أما أنتم، فلا تورثوا أنفسكم أخطاء آبائكم كما تُورث الأرض والبيوت.

 

خذوا من الماضي حكمته، ولا تحملوا أخطاءه.

 

تعلموا من التاريخ، ولكن لا تسكنوا فيه.

 

فالوطن الذي ينظر إلى الخلف طويلًا قد يتعثر في الطريق إلى الأمام.

 

السودان بلدٌ شاب… فماذا أعددنا لشبابه؟

 

إن السودان، بما يتمتع به من قاعدة سكانية شابة، يملك ثروة لا تقل قيمة عن الذهب والنفط والأرض والماء.

 

فالثروة الحقيقية ليست ما تختزنه باطن الأرض وحده، وإنما ما تختزنه عقول أبنائها وأيديهم وطاقاتهم.

 

وإذا كانت التقديرات والدراسات السكانية تشير إلى أن الشباب يشكلون نسبة كبيرة جدًا من المجتمع السوداني، تقترب في بعض التصنيفات من ثلثي السكان أو أكثر، فإن معنى ذلك أن السودان ليس بلدًا يملك شبابًا فحسب؛ بل هو بلد شاب في جوهره الديموغرافي.

 

وهذه الحقيقة يمكن أن تكون أعظم بشارة للمستقبل، كما يمكن ـ إن أسيء التعامل معها ـ أن تتحول إلى أحد أكبر تحديات الدولة.

 

فالشاب الذي يجد أمامه كتابًا ومعملًا ومهنةً ومشروعًا وفرصة عمل، هو طاقة بناء.

 

والشاب الذي يجد أمامه فراغًا وبطالةً ويأسًا وتحريضًا، قد يصبح فريسة سهلة لكل من يريد أن يستثمر في غضبه.

 

ولهذا فإن معركة السودان القادمة ليست معركة السلاح وحده.

 

إنها معركة بناء الإنسان.

 

لا نريد جيلًا ينتظر الوظيفة… بل جيلًا يصنع الفرصة

 

لقد آن الأوان أن نعيد النظر في مفهوم التعليم والتأهيل في السودان.

 

فليس كل نجاحٍ جامعيًا، وليس كل مستقبلٍ يمر من بوابة الشهادة الأكاديمية.

 

نحن بحاجة إلى طبيبٍ ومهندسٍ ومعلمٍ واقتصادي، نعم؛ لكننا في حاجة كذلك إلى كهربائي ماهر، وسباك محترف، وفني تبريد وتكييف، وفني سيارات، ونجار، وحداد، وفني طاقة شمسية، وفني اتصالات، ومبرمج، وتقني، ومزارع حديث، ومتخصص في الصناعات الغذائية.

 

هذه ليست مهنًا هامشية.

 

هذه هي المهن التي تُبنى بها الأوطان.

 

إن اليد التي تمد الأسلاك في مستشفى، واليد التي تصلح أنبوب الماء في مدرسة، واليد التي تشيد بيتًا، واليد التي تصون آلةً في مصنع، واليد التي تزرع الأرض، كلها أيادٍ وطنية تستحق الاحترام والتقدير.

 

ولذلك فإننا بحاجة، في سودان ما بعد الحرب، إلى مشروع وطني واسع للتدريب المهني والتقني، تتضافر فيه الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الوطنية والدولية، لإعادة تأهيل الشباب الذين حُرموا من التعليم أو انقطعت بهم السبل.

 

الفاقد التربوي ليس فاقدًا وطنيًا

 

من أخطر آثار الحرب أنها أخرجت أعدادًا من الشباب من مقاعد الدراسة، وألقت بهم في طريق مجهول.

 

لكن علينا ألا نسميهم «فاقدًا» ثم نتركهم للفقد.

 

فالشاب الذي انقطع عن المدرسة ليس بالضرورة شابًا ضائعًا.

 

قد يكون بين يديه عقلٌ لم يجد من يكتشفه، وموهبة لم تجد من يرعاها، ويدٌ ماهرة لم تجد من يدربها.

 

ومن هنا أقترح أن يكون من أولويات سودان ما بعد الحرب إنشاء مؤسسات ومراكز وطنية ومجتمعية متخصصة في إعادة تأهيل الشباب المنقطعين عن التعليم، عبر برامج قصيرة ومتوسطة المدى تمنحهم:

 

– التدريب المهني والحرفي.

– المهارات التقنية والرقمية.

– التدريب على ريادة الأعمال.

– الثقافة المالية والإدارية.

– التدريب على السلام وحل النزاعات.

– فرص التدريب العملي داخل المؤسسات والمصانع والمشروعات.

– شهادات مهنية معترفًا بها تساعدهم على دخول سوق العمل.

 

ولماذا لا يكون في كل ولاية سودانية مركز وطني لتأهيل الشباب وإعادة بناء المهارات؟

 

ولماذا لا تتحول بعض المدارس والمراكز المتوقفة بعد الحرب إلى ورش تدريبية حديثة؟

 

ولماذا لا تتبنى الشركات والمصانع السودانية برامج «تدريب منتهي بالتوظيف»؟

 

ولماذا لا نعقد شراكات مع الدول التي تمتلك خبرات واسعة في التعليم الفني والتقني، لنقل المعرفة إلى السودان بدل أن يظل شبابنا أسرى للهجرة بحثًا عن فرصة؟

 

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا.

 

إنها أسئلة المستقبل.

 

من الحرفة إلى الكرامة

 

علينا أن نغيّر ثقافتنا تجاه العمل المهني.

 

فليس عيبًا أن يكون ابنك كهربائيًا ماهرًا، بل العيب أن يكون عاطلًا قادرًا على العمل.

 

وليس نقصًا أن تكون ابنتك فنية في مجالٍ تقني، بل النقص أن نمنعها من فرصة تثبت فيها قدرتها.

 

وليس من العار أن يحمل الشاب صندوق أدواته ويذهب إلى ورشته.

 

العار الحقيقي أن نحتقر العمل ثم نشكو من الفقر.

 

لقد آن لنا أن نعيد للعمل اليدوي والمهني مكانته في المجتمع.

 

فالأمم المتقدمة لم تبنِ مصانعها بالخطابات، ولم تشيد مدنها بالأماني، ولم تصل إلى الرفاه بالشهادات وحدها.

 

إنها بنت نهضتها بالعلم، ثم حوّلت العلم إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاج، والإنتاج إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى قوة وطنية.

 

وهذا ما نريده للسودان.

 

شبابٌ يحملون القلم وأدوات العمل معًا

 

نريد شباب السودان أن يتسلحوا بالعلم، ولكننا نريد منهم كذلك أن يتسلحوا بالمهارة.

 

نريد الشهادة، ولكننا نريد معها القدرة.

 

نريد الجامعة، ولكننا نريد معها الورشة.

 

نريد الأستاذ الجامعي، ولكننا نريد كذلك المعلم المهني.

 

نريد الطبيب، ولكننا نريد فني المختبر.

 

نريد المهندس، ولكننا نريد الفني الذي يحول الرسم الهندسي إلى واقع.

 

فالتنمية لا يصنعها تخصص واحد، وإنما يصنعها تكامل العقول والأيدي.

 

يا شباب السودان… لا تسمحوا لأحد أن يختصر وطنكم في قبيلة

 

إن السودان أكبر من القبيلة، وأكبر من الجهة، وأكبر من الحزب، وأكبر من الأيديولوجيا.

 

السوداني الذي يسكن في الخرطوم أخٌ للسوداني الذي يسكن في الجزيرة، والذي يسكن في دارفور أخٌ للذي يسكن في كردفان، والذي يسكن في الشرق أخٌ للذي يسكن في الشمال.

 

قد تختلف لهجاتنا، وتتباين عاداتنا، وتتعدد ألواننا وثقافاتنا؛ ولكن النيل الذي يجري في أرضنا لا يسأل عابرًا عن قبيلته، والأرض التي تطعمنا لا تسأل الفلاح عن لونه، والسماء التي تظلنا لا تفرق بين مدينة وقرية.

 

فلماذا نفعل نحن؟

 

اجعلوا التنوع السوداني حديقة لا ساحة حرب.

 

فليس المطلوب أن نتشابه حتى نحب بعضنا، بل المطلوب أن نختلف دون أن نكره بعضنا.

 

من جيل الحرب إلى جيل البناء

 

إن السودان الذي نريده بعد الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد سودانٍ بلا قتال.

 

نريد سودانًا بلا أسباب القتال.

 

نريد دولةً يكون فيها القانون أقوى من البندقية، والمدرسة أقوى من الخندق، والمصنع أقوى من معسكر البطالة، والمستشفى أقوى من الخوف، والحوار أقوى من الرصاصة.

 

نريد أن يتحول الشباب من حملة البنادق إلى حملة الأدوات:

 

قلم، ومجرفة، وحاسوب، ومفتاح كهرباء، ومطرقة، ومعدات زراعية، وأجهزة طبية، وكتب ومعارف.

 

ذلك هو السلاح الذي تحتاجه النهضة.

 

لنكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

ومن هنا فإن هذه المقالة تأتي ضمن رؤية أوسع نحتاج أن نجعلها ثقافة عامة:

 

«نكتب للوطن ونفكر للمستقبل».

 

فالكلمة التي لا تفتح نافذة في جدار اليأس لا تكفي.

 

والفكرة التي لا تتحول إلى عمل تبقى فكرة جميلة معلقة في الهواء.

 

نحن لا نريد أن نكتب عن السودان فقط؛ نريد أن نفكر في كيفية إنقاذه وبنائه.

 

لا نريد أن نصف جراحه فقط؛ نريد أن نبحث عن دوائها.

 

لا نريد أن نبكي على شبابه؛ نريد أن نفتح لهم أبواب المستقبل.

 

ولا نريد أن نقول للشباب: «أنتم مستقبل السودان» ثم نتركهم بلا تعليم ولا تدريب ولا عمل.

 

بل نقول لهم:

 

أنتم حاضر السودان، ومستقبله، وقوته، وأمله؛ فاستعدوا لحمل الأمانة.

 

كلمة إلى شبابنا

 

يا شباب السودان…

 

لا تنتظروا وطنًا كاملًا حتى تبدؤوا بناءه.

 

ابنوا ما تستطيعون اليوم.

 

تعلموا.

 

تدربوا.

 

اقرؤوا.

 

أتقنوا المهنة.

 

احترموا العمل.

 

أسسوا المشروعات.

 

تعاونوا.

 

افتحوا الورش والمزارع والمصانع والمراكز التقنية.

 

كونوا جسورًا بين أبناء الوطن، لا جدرانًا بينهم.

 

وإذا اختلفتم، فليكن اختلافكم في كيفية البناء، لا في كيفية الهدم.

 

وإذا تنافسـتم، فتنافسوا في العلم والإنتاج والإبداع.

 

وإذا اختلفت آراؤكم السياسية، فلا تجعلوا السياسة تهدم الأخوة.

 

فالوطن أوسع من الجميع، وأبقى من الجميع، وأعظم من أن يكون ملكًا لفئة أو حزب أو قبيلة.

 

السودان الذي نحلم به

 

أحلم بسودانٍ يفتح أبواب مدارسه لكل طفل.

 

وبجامعاته لكل طالب.

 

وبمعاهده المهنية لكل شاب يريد أن يتعلم حرفة.

 

وبمصانعه لكل يدٍ تريد أن تعمل.

 

وبأرضه لكل مزارع.

 

وبمؤسساته لكل كفاءة.

 

وبقوانينه لكل مواطن.

 

وبفرصه لكل شاب وفتاة.

 

أحلم بسودان لا يسأل أبناءه أولًا: من أين أنت؟ ومن أي قبيلة؟

 

بل يسألهم:

 

ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك؟

 

ذلك هو السودان الذي يستحقه أبناؤنا.

 

وذلك هو السودان الذي ينبغي أن نتركه لأحفادنا.

 

وأخيرًا…

 

كل التحية والتقدير للباشمهندس طارق حمزة زين العابدين، الذي اختار أن يوجه كلمته إلى شباب السودان، وأن يضع أمامهم حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أحد:

 

السودان أكبر من خلافاتنا.

 

ونضيف إليها اليوم:

 

والشباب أكبر من أن يكونوا وقودًا للخلاف؛ إنهم وقود النهضة.

 

فلنجعل من شباب السودان جيلًا لا يرث الحرب، بل يرث مسؤولية إنهائها.

 

جيلًا لا يرث العصبية، بل يرث المواطنة.

 

جيلًا لا ينتظر الوظيفة، بل يصنع العمل.

 

جيلًا لا يبحث عن وطنٍ أفضل في الخارج، بل يعمل من أجل أن يجعل وطنه أفضل في الداخل.

 

فإذا حمل الشباب العلم في عقولهم، والأخلاق في قلوبهم، والمهارة في أيديهم، والوطن في حدقات عيونهم، فلن يكون السودان بلدًا خرج من الحرب فحسب؛ بل سيكون بلدًا خرج من الحرب أقوى وعيًا، وأشد تماسكًا، وأوسع أفقًا، وأقدر على صناعة المستقبل.

 

يا شباب السودان…

 

أنتم نصف الحاضر، وكل المستقبل.

 

فكونوا على قدر السودان.

 

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

 

أبوعبيدة أحمد علي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى