(رؤية وطنية.. نكتب للوطن.. ونفكر للمستقبل) أبوعبيدة أحمد علي يكتب… حين يخون القلم وطنه!!

بقلم /(ابوعبيدة أحمد علي)
رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية مجلس الصداقة الشعبية
================
قبل أن أبدأ، يحسن بي أن أؤدي حق الفضل لأهله؛ فقد قرأت مقالًا بديعًا للدكتور طارق عشيري بعنوان «المطبلون في زمن الحرب»، فوجدت فيه فكرةً أصيلةً، وجرسًا وطنيًا صادقًا، ونبضًا يستنهض الضمير قبل العاطفة. وكان ذلك المقال شرارةً أوقدت في نفسي الرغبة في أن أتناول جانبًا آخر من الخطر الذي يتهدد الأوطان في أوقات المحن، وهو خطر الإشاعة والكلمة غير المتثبت منها.
وليس هذا المقال إعادةً لما كتب، وإنما هو امتدادٌ لفكرته، وإطلالةٌ على وجهٍ آخر من وجوه المعركة؛ إذ إن الحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما تُخاض كذلك بالكلمة، والخبر، والصورة، والرأي. وربما كانت الإشاعة في بعض المواطن أشد فتكًا من الرصاصة، لأنها تتسلل إلى العقول والقلوب، فتزلزل الثقة، وتبعثر اليقين، وتمنح العدو ما عجز عن انتزاعه في ميدان القتال.
ومن هنا كانت هذه الرؤية الوطنية، إيمانًا بأن القلم أمانة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن الوطن في زمن الحرب أحوج ما يكون إلى الصدق، والوعي، واستحضار مخافة الله قبل أن تُكتب الحروف وتُنشر الأخبار.
ليس أعظم خطرًا على الأوطان من رصاصةٍ تُطلقها يدُ عدو، إلا كلمةٍ كاذبةٍ يخطها قلمُ ابنٍ من أبنائها. فالرصاصة قد تقتل رجلًا، أما الكلمة إذا انحرفت عن الحق فقد تقتل أمة، وتهزم جيشًا، وتزرع اليأس في قلوب الملايين.
في زمن الحرب، تصبح الكلمة جنديًا يقف في الصفوف الأولى؛ فإن صدقت رفعت الهمم، وإن كذبت هدمت المعنويات، وإن خانت الأمانة فتحت للعدو أبوابًا لم يستطع اقتحامها بقوة السلاح.
ومن المؤلم أن نرى في خضم هذه المعركة أقلامًا لا همَّ لها إلا التطبيل، وألسنةً لا تعرف إلا المبالغة، وأصواتًا تتعمد تزييف الحقائق، أو تتناقل الشائعات دون تثبت، وكأن الوطن يحتمل مزيدًا من الجراح. وما علم هؤلاء أن الكذب في زمن السلم خلقٌ ذميم، فإذا كان في زمن الحرب صار جريمةً في حق الأمة كلها.
إن الإعلامي، والكاتب، وصاحب المنبر، وناقل الخبر، ليسوا مجرد رواةٍ للأحداث، بل هم أمناء على وعي الناس. والكلمة التي تخرج منهم ليست حبرًا على ورق، وإنما أمانةٌ سيقفون بها بين يدي الله، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
ولقد علمتنا التجارب أن أخطر ما يهدد الأوطان ليس قوة أعدائها وحدها، بل ضعف مناعتها الداخلية. وإن من أشد ما يفتُّ في عضد الجبهة الداخلية نشر الإشاعات، وترويج الأخبار الكاذبة، وإثارة الذعر، والتشكيك بغير بينة؛ فإن الجندي الذي يقاتل في الميدان يحتاج إلى شعبٍ يثق به، لا إلى شائعةٍ تطارده، وإلى كلمةٍ تشد أزره، لا إلى خبرٍ مكذوب يثقل قلبه.
إن دعم القوات المسلحة لا يكون بالكذب، ولا بالمبالغات التي لا تصمد أمام الحقيقة، وإنما يكون بالصدق، وبالوعي، وبالكلمة التي ترفع المعنويات دون أن تغادر ميدان الأمانة. فالوطن لا ينتصر بالأوهام، وإنما ينتصر حين تتكامل شجاعة المقاتل مع صدق الكاتب، وإخلاص الإعلامي، ووعي المواطن.
وليس المقصود من هذا أن يتحول الناس إلى مهللين لكل شيء، أو أن يُغلق باب النقد، فالنقد الشريف الذي يقصد الإصلاح ضرورة لبناء الدول، أما التطبيل الذي يعمي الأبصار عن الأخطاء، أو التشويه الذي يهدم الثقة ويزرع الفتنة، فكلاهما وجهان لعملةٍ واحدة، كلاهما يسيء إلى الوطن وإن اختلفت الشعارات.
وسوف تضع الحرب أوزارها، وستسكت المدافع يومًا، لكن الكلمات ستبقى حيةً في ذاكرة التاريخ، شاهدةً على أصحابها؛ فمنهم من جعل قلمه منارةً تهدي الناس إلى الحق، ومنهم من باع ضميره في سوق الأهواء والمصالح.
فلنتقِ الله في أقلامنا، ولنجعل ولاءنا للوطن لا للأشخاص، وللحقيقة لا للشائعات، وللإصلاح لا للمزايدات. فالأوطان لا يحفظها السلاح وحده، وإنما يحفظها الضمير، وتصونها الكلمة الصادقة، ويعمرها العقل الذي يجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وفي ختام هذه الرؤية الوطنية، أتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور طارق عشيري، صاحب المقال الملهم «المطبلون في زمن الحرب»، الذي كان باعثًا لهذا التأمل، ومحفزًا لهذا الطرح. فله مني كل التقدير والاحترام، ولعل اختلاف الزاوية التي تناولت بها الموضوع يؤكد أن الكلمة الصادقة تلد كلماتٍ صادقة، وأن الفكر الوطني حين يكون مخلصًا للوطن، يفتح أبوابًا واسعة للحوار والبناء والإصلاح.
حفظ الله السودان، وألهم أبناءه الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والحكمة في الكلمة، حتى يبقى القلم جنديًا للوطن، لا خنجرًا في خاصرته.



