د. ياسر عثمان أبو عمار يكتب… خطاب البرهان من مسيد أبو قرون.. صوت السودان الذي لا يساوم على الكرامة!!

جاء خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان من مسيد أبو قرون في لحظة فارقة من تاريخ السودان، بعد مرحلة شهدت تطورات ميدانية متسارعة أعادت تشكيل المشهد، ورسخت معادلات جديدة فرضتها الوقائع على الأرض.
ولم يكن الخطاب مجرد كلمة رسمية في مناسبة عامة، بل حمل رسائل مباشرة استحضرت تضحيات السودانيين، وأكدت أن قضايا السيادة والكرامة الوطنية تظل في مقدمة أولويات الدولة.
وتحدث البرهان بصفته القائد العام للقوات المسلحة، مستنداً إلى تجربة امتدت عبر أشهر طويلة من المواجهات، وما رافقها من تضحيات جسيمة وتحديات استثنائية.
وقد شهدت تلك المرحلة تغيرات ميدانية بارزة، تمثلت في استعادة القوات المسلحة السيطرة على مناطق ومدن مهمة، وفي مقدمتها العاصمة الخرطوم، إضافة إلى ولاية الجزيرة، وأجزاء من ولايات سنار، والنيل الأبيض، ومناطق من ولاية نهر النيل.
ولم تكن هذه النتائج وليدة المصادفة، وإنما جاءت بعد تضحيات كبيرة قدمها الجنود والمستنفرون وكل من أسهم في دعم مؤسسات الدولة خلال هذه المرحلة العصيبة.
وكان ثمن تلك المعارك دماء شباب آمنوا بأن الدفاع عن الوطن يستحق التضحية، كما دفعت آلاف الأسر أثماناً باهظة من الفقد والنزوح والمعاناة، ومع ذلك ساندت ودعمت وجادت بما عندها من القليل والغالي. مما جعل تماسك الجبهة الداخلية والتفاف قطاعات واسعة من الشعب حول القوات المسلحة عاملاً مهماً في تحقيق تلك النتائج.
وقد أسهم تماسك المجتمع، والتكاتف الشعبي، وروح الصبر والثبات في تعزيز القدرة على تجاوز كثير من التحديات التي واجهت البلاد.
ومن هذا المنطلق، جاء الخطاب مؤكداً أن ما تحقق من إنجازات وتضحيات لا ينبغي التعامل معه باعتباره محطة عابرة، وإنما مسؤولية وطنية تستوجب المحافظة عليه.
وفي هذا السياق، عاد الحديث مجددًا حول الدعوات إلى استئناف مسارات التفاوض، وهو نقاش يظل حاضرًا في المشهد السوداني.
غير أن أي نقاش حول مستقبل البلاد يظل بحاجة إلى قراءة دقيقة للمتغيرات التي أفرزتها المرحلة الماضية، وما ترتب عليها من وقائع سياسية وأمنية ومجتمعية.
كما أن حجم التضحيات التي قدمها السودانيون يجعل من الضروري أن تكون أي خطوات مستقبلية منسجمة مع تطلعاتهم في الأمن والاستقرار وحفظ سيادة الدولة.
لقد أثبتت هذه المرحلة أن الشعوب التي تتمسك بكرامتها وتتحمل المشاق دفاعاً عن وطنها، تنظر إلى السيادة باعتبارها قيمة لا تُقاس بالمكاسب الآنية.
ولذلك اكتسب خطاب البرهان أهمية خاصة، لأنه ربط بين التضحيات التي بُذلت وبين المسؤولية الوطنية في المحافظة على نتائجها.
كما حمل الخطاب رسائل تؤكد أن بناء المستقبل لا ينفصل عن احترام تضحيات الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن وطنهم، ولا عن تقدير صمود الأسر التي تحملت أعباء الحرب.
ولعل أبرز ما ميز الخطاب أنه أعاد التأكيد على أن الكرامة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، وإنما مبدأ يتجسد في مواقف الشعوب عندما تواجه التحديات. كما أبرز أن استقرار السودان يتطلب بناء مرحلة جديدة تقوم على قوة الدولة، وسيادة القانون، وحماية المؤسسات الوطنية، وترسيخ الأمن.
وجاء خطاب البرهان في مرحلة شهدت تطورات لافتة داخل المشهد العسكري، تزامنت انشقاقات متوالية من المليشيا وانضمامها للقوات المسلحة السودانية، وهو تطور استقطب اهتماماً واسعاً في الأوساط السودانية والإقليمية، وأثار نقاشاً حول دلالاته وانعكاساته على مسار الحرب.
وفي ظل هذه المتغيرات، اكتسب الخطاب بُعداً إضافياً، إذ جاء في وقت تتسارع فيه الأحداث الميدانية والسياسية، وتزداد فيه أهمية الرسائل المرتبطة بتماسك مؤسسات الدولة واستشراف المرحلة المقبلة. كما أن توالي مثل هذه التطورات جعل الخطاب يحظى باهتمام خاص، بوصفه قراءة للحظة مفصلية يمر بها السودان، في ظل استمرار التحولات التي تشهدها الساحة الوطنية.
ولا شك أن حجم التحديات التي مرت بها البلاد جعل السودانيين أكثر إدراكاً لأهمية وحدة الصف، وتغليب المصلحة الوطنية، والمحافظة على تماسك الدولة.
إن خطاب مسيد أبو قرون لم يكن مجرد حديث عن أحداث مضت، بل كان رسالة تتجاوز اللحظة الراهنة، وتؤكد أن مستقبل السودان ينبغي أن يُبنى على الثبات، وحفظ الكرامة، وصون السيادة، واستلهام التضحيات التي قدمها أبناء الوطن في سبيل بقائه واستقراره.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون هذه المرحلة نقطة انطلاق نحو سودان أكثر أمناً واستقراراً، يستثمر تضحيات أبنائه في بناء دولة قوية، قادرة على حماية سيادتها، وتحقيق تطلعات شعبها في السلام والتنمية والازدهار.



