(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب…. من يسلّح الوحش لا يحق له البكاء على فريسته
في كل مرة تشتد فيها معاناة الشعب السوداني، تخرج علينا بعض الأصوات الغربية ببيانات القلق والتحذيرات والوعود الجوفاء، وكأنها اكتشفت فجأة حجم المأساة التي يعيشها السودانيون، غير أن الحقيقة التي لم تعد خافية على أحد هي أن كثيراً من هذه المواقف لا تتجاوز حدود النفاق السياسي، حيث يُقال في العلن ما يناقض تماماً ما يُمارس في الخفاء
التصريحات الأخيرة الصادرة عن الخبيرة الأمريكية ميشيل جافين بشأن مدينة الأبيض لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام للموقف الأمريكي من الحرب في السودان، فالإدارة الأمريكية ومراكز النفوذ المرتبطة بها تعلم جيداً من الذي يقتل السودانيين بدم بارد، وتعلم من الذي يمد آلة الحرب بالمال والسلاح والدعم السياسي والإعلامي، لكنها في الوقت ذاته تتجنب تسمية الأشياء بأسمائها، وتكتفي بلغة دبلوماسية رمادية لا توقف رصاصة ولا تنقذ طفلاً ولا تمنع مجزرة
إن التحذير من تكرار مأساة الفاشر في الأبيض يبدو في ظاهره موقفاً إنسانياً، لكنه في جوهره يطرح سؤالاً مشروعاً: أين كانت هذه الأصوات عندما كانت المدن السودانية تُدمر، والقرى تُحرق، والمواطنون يُقتلون ويُهجّرون؟ ولماذا يظل الحديث دائماً عن النتائج الكارثية دون التوقف بحزم عند الجهات التي تصنع هذه الكوارث وتغذيها؟
الأكثر إثارة للدهشة أن الولايات المتحدة تمتلك من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي ما يجعلها قادرة على وقف كثير من مصادر الدعم التي تتغذى عليها المليشيا، لكنها تفضل الاكتفاء بإصدار بيانات القلق وإبداء الانزعاج وكأن المطلوب من السودانيين أن يصدقوا أن القوة الأعظم في العالم عاجزة عن التأثير، بينما الحقيقة أن الإرادة السياسية هي الغائبة، لا القدرة
لقد أصبح واضحاً أن بعض القوى الدولية تنظر إلى السودان من زاوية المصالح لا المبادئ، ومن زاوية الحسابات الجيوسياسية لا القيم الإنسانية ولذلك فإن الحديث المتكرر عن حقوق الإنسان وحماية المدنيين يفقد معناه عندما يصطدم بحقائق الأرض، حيث تستمر الحرب، ويستمر تدفق الدعم للمليشيا، ويستمر المجتمع الدولي في إدارة ظهره لمعاناة الملايين
إن الشعب السوداني لم يعد بحاجة إلى بيانات الشجب والإدانة، بل إلى مواقف حقيقية توقف نزيف الدم، أما أولئك الذين يرفعون شعارات الإنسانية نهاراً ويتغاضون عن داعمي القتل ليلاً، فإنهم لا يمارسون دور الوسيط النزيه، بل يشاركون بصورة أو بأخرى في صناعة المأساة واستدامتها،
لقد أثبتت التجربة أن السياسة الأمريكية في السودان كثيراً ما تتحدث بلغة وتتصرف بلغة أخرى ولهذا لم يكن غريباً أن تتآكل الثقة في تلك التصريحات التي تأتي متأخرة دائماً، بعد أن تكون الدماء قد سالت والبيوت قد تهدمت والأحلام قد تحولت إلى رماد
اني من منصتي انظر …. حيث اقول: يبقى الدرس الذي تعلمه السودانيون عبر عقود طويلة أن الأوطان لا تحميها بيانات الخارج، وأن من يراهن على ضمير القوى الكبرى وحده يراهن على سراب فالتاريخ يعلمنا أن المصالح هي التي تحكم السياسات الدولية، أما الشعارات البراقة فغالباً ما تكون مجرد ستار يخفي وراءه حسابات أخرى ولذلك فإن مخطئ من ظن يوماً أن السياسة الأمريكية تُدار بمنطق الطيبة أو العواطف، فهي تتحرك حيث تكون المصالح، وتتوقف حيث تتعارض تلك المصالح مع المبادئ التي ترفعها في خطاباتها، وبين هذا وذاك، يبقى السودان مطالباً بالاعتماد على إرادة أبنائه ووحدتهم في مواجهة المؤامرات والمخططات التي تستهدف أمنه واستقراره ومستقبله.



