مقالات الظهيرة

الأبيض : حين يُقاس الضمير الدولي بمسافة القلق!!

ليس كل ما يُقال في دهاليز السياسة الدولية يُراد به وجه الحقيقة، فاللغة في عالم المصالح سلاح يُشهر حين تعجز المدافع، وستار يُسدل على النوايا حين تتكشف الأطماع. وحين يخرج بيان من قاعات الأمم المتحدة ليعلن “القلق البالغ” إزاء مصير مدينة سودانية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن منسوب القلق، بل عن توقيته ووظيفته ومآلاته. إن القلق الذي لا يسبقه فعل، ولا يتبعه التزام، ولا يقترن بتسمية الجاني، هو قلق أعزل، بل هو في حقيقته إجراء بيروقراطي لتطهير الذمة الأخلاقية للمؤسسات قبل أن تُكتب فصول المأساة بالدم. لقد أتقنت المنظومة الأممية صناعة المسافة بين اللفظ والمعنى، فصارت تحذر من الكارثة بعد أن تضع بذورها، وتوثق المجازر بعد أن تمنح القاتل متسعاً من الوقت ليرتكبها. إن مدينة الأبيض لا تطلب من العالم أن يخاف عليها، بل تطالبه أن يحترم دماء أهلها قبل أن تُراق، وأن يرى في صمودها اختباراً لجدوى ما يسمى بالنظام الدولي. فالقلق المصحوب بالعجز هو تواطؤ ناعم، والصمت عن تسمية المليشيا التي تحاصر المدن وتقتل الأبرياء هو شراكة في الجريمة بدرجة البيان.

ومن هنا، فإن شعب السودان لم يعد يعنيه إن خافت الأمم المتحدة على الأبيض، بل يعنيه إن كانت تملك الشجاعة لتقول إن من يحاصر الأبيض مجرم حرب يجب وقفه الآن، لا بعد أن تُدفن المدينة في تقارير لجان تقصي الحقائق.

 

إن الأبيض ليست مدينة عابرة في جغرافيا السودان، بل هي رئة الوسط وعقدة المواصلات التي لا بديل عنها، وميزان الثقل الذي يحفظ توازن الدولة. تقع المدينة على تقاطع خطي الطول 30.22 والعرض 13.18، وتتوسط المسافة بين الخرطوم ونيالا وكادقلي والفاشر، فتجعل منها الخريطة نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها. عبرها يمر يومياً 1,740 شاحنة نقل ثقيل بحمولة إجمالية تبلغ 73,080 طناً من السلع، وهو ما يعادل 38% من حركة النقل البري القومي وفق بيانات وزارة النقل للربع الأول من عام 2026م. وطريق الأبيض نيالا وحده يحمل 62% من الإمداد الغذائي والدوائي لولايات دارفور الخمس التي يقطنها 4.7 مليون مواطن، وأي انقطاع فيه يدخل

الإقليم في مجاعة محققة خلال أربعة عشر يوماً بحسب تقديرات برنامج الغذاء العالمي. كما أن طريق الأبيض كادقلي هو الوريد الوحيد الذي يغذي الفرقة 14 مشاة ووحدات الدفاع الجوي في القطاع الجنوبي، وينقل 90% من ذخائرها. أما أنبوب النفط القومي من هجليج إلى بورتسودان فيمر على بعد 92 كيلومتراً جنوب المدينة، وهو الأنبوب الذي يضخ 410,000 برميل يومياً تمثل كامل صادرات السودان النفطية، وتعطله يعني خسارة 31.7 مليون دولار يومياً من النقد الأجنبي. لهذا فإن السيطرة على الأبيض تعني خنق العاصمة وقطع دارفور وتعطيل جنوب كردفان ووقف شريان النفط، وهي أهداف استراتيجية لا تخفى على من أشعل الحرب.

 

إن التاريخ يمنح الأبيض قداسة خاصة في الوجدان السوداني، فعلى تخومها دارت معركة شيكان في الخامس من نوفمبر 1883م، حين أباد الأنصار جيش هكس باشا المكون من 10,000 جندي نظامي، وقتلوا منهم 9,800 ولم ينج إلا عشرات. كانت تلك أول هزيمة كبرى لجيش أوروبي حديث في عمق أفريقيا، وأثبتت أن هذه الأرض لا تُستباح. وفي الأبيض تأسس أول مجلس بلدي منتخب عام 1932م، وصدرت أول صحيفة أهلية إقليمية باسم كردفان عام 1945م. واقتصادياً، فإن ولاية شمال كردفان تنتج 68,000 طن من الصمغ العربي سنوياً، أي 41% من الإنتاج العالمي، وتدر 227 مليون دولار للخزينة العامة وفق مجلس الصمغ العربي 2025م. كما تضم الولاية 31 مليون رأس من الماشية تمثل 27% من الثروة الحيوانية القومية، وتورد للمسالخ 1.3 مليون رأس سنوياً. وفي باطنها يرقد حوض بارا الجوفي بسعة 6.7 مليار متر مكعب من المياه المتجددة، يكفي لزراعة 1.2 مليون فدان، وهو ثروة مائية استراتيجية لا تقدر بثمن في إقليم يعاني شح المياه. وتحتضن المدينة سوق محصولات الأبيض، أكبر بورصة للصمغ والمحاصيل الزيتية في القارة، ويتداول فيها سنوياً ما قيمته 1.94 مليار دولار، ويعمل فيها 18,000 تاجر ووكيل. وأي توقف للسوق يكبد المزارعين خسارة 5.3 مليون دولار يومياً، ويرفع أسعار الزيوت في الخرطوم بنسبة 31% خلال أسبوع واحد.

 

أمنياً، تشكل الأبيض “نقطة الغلبة” في معادلة الحرب. فمن يمسك بها يتحكم في مثلث الخرطوم دارفور جنوب كردفان. وقد وثقت الاستخبارات العسكرية ثلاث محاولات تطويق للمدينة بين يناير ومايو 2026م من محاور أم صميمة والدبيبات وجبل الداير، بهدف عزل الحامية وفصل دارفور وتهيئة المسرح لإعلان كيان متمرد. كما أن 73% من المسيّرات الانتحارية التي ضربت المدن الآمنة في 2025م انطلقت من دائرة نصف قطرها 210 كيلومترات حول الأبيض، ما يعني أن تأمينها يحمي عمقاً استراتيجياً يصل إلى 400 كيلومتر. وتشير نماذج المحاكاة في مركز الخبراء إلى أن سقوط المدينة، لا قدر الله، يحتاج إلى 11 شهراً من العمليات العسكرية لاستعادتها، وسيكلف الدولة 4.6 مليار دولار خسائر مباشرة، ويفتح ممراً برياً جديداً لتهريب السلاح من الساحل إلى العمق الأفريقي.

 

اجتماعياً، تمثل الأبيض أنموذجاً للسودان المصغر. يقطنها 612,000 نسمة داخل المدينة و1.97 مليون نسمة في المحلية، ينتمون إلى 84 قبيلة ويتحدثون 11 لهجة، ومع ذلك لم تشهد المدينة اقتتالاً أهلياً واسعاً منذ الاستقلال. وهي تحتضن جامعة كردفان بـ 23,600 طالب وجامعة القرآن الكريم بـ 8,100 طالب، و12 معهداً فنياً، ما يجعلها ثالث تجمع أكاديمي في البلاد. وقد استقبلت 1.14 مليون نازح منذ أبريل 2023م، أي 186% من سكانها الأصليين، ومع ذلك حافظت على استقرار الخدمات، ولم تسجل سوى 3 حوادث نهب منظم خلال 26 شهراً. إن ضرب الأبيض هو ضرب لعقل السودان المنتج ورمز تعايشه الذي استعصى على التفكيك.

 

إن المفارقة الكبرى أن الأمم المتحدة التي تبدي القلق اليوم هي ذاتها التي خفضت موازنة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في السودان بنسبة 44% عام 2025م، وأوقفت 9 برامج إغاثية في كردفان، بينما أنفقت 217 مليون دولار على بعثات سياسية واستشارية. وهي التي وثقت 1,740 جريمة حرب للمليشيا لكنها تجنبت وصفها بالإبادة الجماعية تهرباً من التزامات الفصل السابع. لقد عقد مجلس الأمن 11 جلسة حول السودان منذ اندلاع الحرب، وصدرت 6 بيانات قلق، ولم يصدر قرار واحد ملزم بتصنيف المليشيا جماعة إرهابية. هذا هو القلق الإجرائي الذي يدير الكارثة ولا يمنعها.

 

ولأن المعركة معركة وجود، فإن الرد يجب أن يكون بحجم التهديد. وعليه فإن الرؤية المنهجية تقتضي إعلان الأبيض “منطقة عمليات سيادية مغلقة” وتطبيق خمسة محاور عاجلة. المحور الأول هو إعلان الطوارئ العسكرية وتفويض الفرقة الخامسة مشاة هجانة بسلطات كاملة، ودفع 3 ألوية قوات خاصة إلى محيط 40 كيلومتراً حول المدينة خلال 72 ساعة، مع تغطية جوية دائمة. المحور الثاني هو إنشاء جسر جوي ثابت من بورتسودان ومروي بمعدل 12 طلعة يومياً لنقل 420 طناً من الإمداد لكسر أي حصار. المحور الثالث هو تشغيل غرفة السيطرة الاقتصادية في فرع بنك السودان بالأبيض وضخ 500 مليار جنيه سيولة طارئة، وتعليق كل الرسوم الولائية على السلع الاستراتيجية لستة أشهر لاحتواء التضخم. المحور الرابع هو إطلاق الصندوق السيادي لإعمار كردفان بتمويل 200 مليون دولار من عائدات الصمغ العربي المجمدة، يوجه فوراً لحفر 300 بئر وتشغيل 3 محطات كهرباء متنقلة وتأهيل المستشفى التعليمي. المحور الخامس، وهو الإضافة الجوهرية التي تحتاجها الخطة، هو إنشاء “القيادة الموحدة للطائرات المسيّرة وأجهزة التشويش” في الأبيض خلال 15 يوماً، تتبع مباشرة لهيئة الاستخبارات العسكرية، وتضم 120 طائرة استطلاع و40 طائرة هجومية و18 منظومة تشويش إلكتروني، بهدف تحييد 90% من خطر المسيّرات الانتحارية التي ثبت أن الأبيض هي مركز انطلاقها الإقليمي. هذه القيادة ترفع قدرة الإنذار المبكر من 7 دقائق حالياً إلى 43 دقيقة، وتقلل زمن الاستجابة للهدف المعادي من 22 دقيقة إلى 6 دقائق، وفق تجارب الجيش في الفاشر. وتكلفتها 27 مليون دولار فقط، أي 0.6% من الكلفة المحتملة لسقوط المدينة.

 

إن الأبيض ليست مدينة تُترك لبيانات القلق، بل هي معيار السيادة ومختبر الإرادة الوطنية. والتاريخ يعلمنا أن شيكان لم تكن معركة سلاح، بل معركة إيمان بأحقية الأرض. واليوم، فإن شيكان الجديدة تُخاض في الميدان وفي الإعلام وفي الاقتصاد وفي الضمير. والنصر فيها لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار شجاع يحول القلق الدولي إلى فرصة وطنية، ويحول التهديد إلى منصة لإعادة تعريف السودان كدولة لا تُهزم ولا تُقسم. إن العالم لا يحترم الخائفين، والتاريخ لا يخلد من ينتظرون النجدة. والأبيض، عروس الرمال، ستبقى عصية كما كانت، شاهدة على أن السودان حين يتوحد، لا تُكسر له إرادة.

 

حفظ الله الأبيض، وحفظ السودان جيشاً وشعباً، وأخزى كل من أراد بشيكان سوءاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى