مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب في (شوكة حوت)… أقـوى تهديـد فـى التاريـخ!!

*شهدت أروقة القضاء فى عهد الخليفة الأموى معاوية بن أبى سفيان واحدة من أعقد قضايا الدم في تاريخ العرب تجسدت فيها قيم الثأر والكرامة والأنفة الجاهلية التي لم تمحُها مدنية الإسلام بعد بدأت الفصول الدامية حين أقدم الشاعر المعروف هدبة بن الخشرم العذرى على قتل ابن عمه زياد بن زيد العذرى إثر خلاف وشقاق بينهما ليتحول الشاعر من لسان قومه المدافع عنهم إلى أسيرٍ يقاد إلى ساحة القصاص مكبلاً بأغلال جنايته لم يكن هدبة

رجلاً عادياً فى قومه بل كان شاعراً مفوهاً وفارساً يُهاب جانبُه ولذلك لم يكن من السهل على أهله وعشيرته أن يروه يساق إلى حتفه ضرباً بالسيف تحركت وجاهات القبيلة وثقلاؤها نحو أولياء الدم عارضين دية ضخمة بلغت حدّاً يعجز عن رده الطامعون وبذلوا الغالى والنفيس فى سبيل شراء عنق الشاعر وإطفاء نار الفتنة التي كادت تعصف ببنى عذرة قاطبة*.

 

*تأرجحت كفة الميزان كثيراً داخل مجلس القضاء وبدت على ابن القتيل وكان شاباً يافعاً علامات التردد واللين أمام لمعان المال والأموال الطائلة المعروضة كدية لأبيه كان ثقل الدية وضغط الوجهاء يداعبان رغبته فى إنهاء الخصومة وكاد الشاب أن ينطق بكلمة

العفو وقبول الدية لولا وجود عينٍ ساهرة كانت تلمح فى هذا العفو عاراً لا يغسله تقادم السنين وفى تلك اللحظة الحرجة وتحديداً عندما همّ الفتى بالموافقة اخترق المجلس صوت أمه أرملة القتيل التى رأت في قبول الدية بيعاً لدم زوجها وإهداراً لكرامة الأسرة لم تلجأ المرأة إلى البكاء أو الاستعطاف بل رمت في وجه ابنها بأقوى وأشرس تهديد عرفه تاريخ العرب صاغته بكلمات حاسمة كحد السيف وقاطعة كالقضاء والقدر*.

 

*إلتفتت الأم نحو ابنها وقالت له بنبرة تفيض حزماً وغضباً أقسمُ لك لئن قبلت بالدية لأتزوجنّه تقصد القاتل هدبة فيكون قد قتل أباك وتزوج أمك كان هذا التهديد بمثابة صاعقة هزت أركان المجلس وصاغت معادلة نفسية واجتماعية مرعبة لا يمكن لأى رجل عربى كبر أم صغر أن يتعايش مع ذلها أو يتحمل

تبعاتها أمام القبائل هنا ساد صمت مطبق في ردهات المكان وبدت الصدمة جليّة على وجوه الحاضرين من قضاة ووجهاء فقد وضعت الأم ابنها بين خيارين لا ثالث لهما إما الثأر لكرامة أبيه أو العيش أبد الدهر تحت وطأة عارٍ مركبٍ يدمج بين دم الأب المهدور وفراش الأم المستباح من قِبل القاتل نفسه أمام هذا الإعصار النفسى والتهديد الذي لا يُرد جفّ ريق الفتى وتلاشت أمامه إغراءات المال والدية الطائلة ولم يجد مفراً من النزول عند رغبة أمه الحازمة ابتلع الشاب ريقه بصعوبة ونظر إلى الحاضرين بنظرة انكسار ممزوجة بالرغبة في التخلص من هذا المأزق الأخلاقى قائلاً بلسان حاله (خلاص أجغموهو وريحونا) متنازلاً عن المال وطالباً تنفيذ القصاص فوراً*.

 

نــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*بناءً على هذا الإصرار الذى حسمته الأم نُفذ حكم القصاص فى الشاعر هدبة بن الخشرم لتطوى بذلك صفحة واحد من أشعر رجالات العرب لا بحد السيف أولاً بل بحد الكلمة والتهديد الذكى الذي أطلقته امرأة عرفت كيف تدير بوصلة العواطف والقرارات في أحلك الظروف تظل هذه الحادثة التاريخية التى تناقلتها كتب الأدب والتاريخ مثل الأغانى والشعر والشعراء شاهداً حياً على قوة الكلمة وتأثيرها في توجيه الأحداث وكيف يمكن لتهديدٍ صيغ بذكاء وفهمٍ عميق للنفسية العربية أن يغير مجرى القضاء ويغلق أبواب المساومات المالية إلى الأبد*.

 

ربــــــــــع شـــــــوكة

 

*(الدنيا تكتل أبوك وتحضرك عرس أمك)*.

 

 

yassir.Mohammed@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى