6 أكتوبر 1973…. أذكى عملية حربية عرفها التاريخ حتى الآن
الظهيرة – بقلم: علاء الدين محمد أبكر:
عندما نقرأ التاريخ العسكري بتمعن، نكتشف حقيقة ثابتة، وهي أن الانتصارات الخالدة لم تكن يوماً حسماً بالعدد والعتاد، بل كانت حسماً بالعقل والخداع وفهم نفسية العدو. ومنذ فجر التاريخ وحتى اليوم، تبرز أربع مدارس كبرى في فن الخداع الحربي، توجتها جميعاً عملية السادس من أكتوبر 1973 التي جمعت كل ما سبقها وأضافت عليه ما لم يكن موجوداً من قبل.
تبدأ القصة من طروادة، المدينة الحصينة التي عجز الإغريق عن اقتحامها عشر سنوات كاملة. كان الحل عبقرياً في بساطته، فالقائد أوديسيوس أدرك أن السور لا يمكن أن يفتح من الخارج، لكنه يمكن أن يفتح من الداخل إذا أقنعت المدافع أنه انتصر. فصنع حصاناً خشبياً ضخماً أجوف يتسع لثلاثين مقاتلاً من نخبة الجيش، ثم سحب أسطوله خلف جزيرة قريبة وتظاهر بالهزيمة والانسحاب. وترك عميلاً هو سينون ليقنع أهل طروادة أن الحصان قربان للآلهة وأن إدخاله يجلب البركة. فتح الطرواديون أبوابهم التي لم تفتح منذ عشر سنوات وهدموا جزءاً من سورهم بأيديهم لإدخال أداة هلاكهم، واحتفلوا حتى منتصف الليل، ثم خرج المقاتلون من جوف الحصان وفتحوا الأبواب للجيش العائد فأحرقوا المدينة في ليلة واحدة.
ثم جاءت المدرسة الثانية على يد القرطاجي حنبعل برقا عام 218 قبل الميلاد. كانت روما تسيطر على البحر المتوسط سيطرة مطلقة، وأي هجوم بحري من قرطاجة في تونس نحو إيطاليا كان انتحاراً مؤكداً. فقرر حنبعل أن يهاجم من حيث يستحيل أن يتوقعه أحد، من جبال الألب المغطاة بالثلوج الأبدية. انطلق بتسعين ألف جندي واثني عشر ألف فارس وسبع وثلاثين فيلاً حربياً، وقطع ألفي كيلومتر عبر إسبانيا وفرنسا، ثم صعد جبال الألب في بداية الشتاء. مات نصف جيشه برداً وجوعاً وسقوطاً من المرتفعات، لكنه نزل فجأة في سهول شمال إيطاليا فصدم روما صدمة لم تفق منها لسنوات. وفي معركة كاناي عام 216 قبل الميلاد، واجه ستة وثمانين ألف جندي روماني بخمسين ألفاً فقط، فوضع وسط جيشه الضعيف على شكل قوس متراجع للخلف، فظن الرومان أنه ينهار واندفعوا بكل ثقلهم إلى الوسط، فالتف عليهم جناحاه القويان من اليمين واليسار كالكماشة وسحقهم، فقتل سبعون ألف روماني في يوم واحد بخطة لا تزال تدرس حتى اليوم في الكليات الحربية.
أما المدرسة الثالثة فكانت أول خداع استخباراتي موثق في التاريخ في معركة قادش عام 1274 قبل الميلاد. خرج الفرعون رمسيس الثاني بأربعة فيالق، آمون ورع وبتاح وست، حوالي عشرين ألف مقاتل لمواجهة ملك الحثيين مواتالي الثاني الذي جمع أربعين ألف مقاتل وثلاثة آلاف وخمسمائة عربة حربية قرب نهر العاصي في سوريا. ملك الحثيين أرسل بدويين تظاهرا بالهروب إلى المعسكر المصري واعترفا تحت الضرب أن جيش الحثيين بعيد في حلب خوفاً من الفرعون. صدق رمسيس المعلومة وفصل فيلقه المتقدم آمون الذي يقوده بنفسه عن باقي الفيالق بمسيرة يوم كامل، واندفع مسرعاً نحو قادش. وفجأة انقضت ألفان وخمسمائة عربة حثية كانت مختبئة خلف التلال وقطعت الطريق وحاصرت فيلق آمون، فانهار الفيلق وبقي رمسيس وحده مع حرسه الخاص. وتقول نقوش معبد أبو سمبل على لسانه كنت وحدي لا أحد معي، لكنه قاتل ببسالة على عربته الحربية حتى وصلت طلائع فيلق بتاح وأنقذت الموقف، وانتهت المعركة بلا حسم وعقدت بعدها أول معاهدة سلام في التاريخ.
وجاءت المدرسة الرابعة في عين جالوت في الثالث من سبتمبر عام 1260م. كان المغول بقيادة كتبغا قد اجتاحوا بغداد ودمشق ولم يبق أمامهم إلا مصر. وكان جيشهم لا يقهر في السهول المفتوحة بسلاح الكر والفر.
فاختار السلطان قطز والظاهر بيبرس أرض المعركة بعناية، سهل عين جالوت وهو واد ضيق بين جبال الجليل في فلسطين لا يسمح بالالتفاف. تقدم بيبرس بمقدمة صغيرة ألفا فارس واشتبك مع المغول ثم تظاهر بالانهيار والفرار إلى داخل الوادي. ابتلع كتبغا الطعم واندفع بعشرين ألف مقاتل إلى داخل المضيق، وعندها دقت الطبول وخرج الجيش المملوكي المختبئ فوق التلال من الجوانب والخلف وأغلق مداخل الوادي، فتحولت المطاردة إلى حصار معكوس، وقتل كتبغا وسحق جيشه وتوقف الزحف المغولي إلى الأبد.
كل هذه المدارس اجتمعت وتطورت في عملية السادس من أكتوبر 1973، لكنها لم تكن مجرد تقليد، بل كانت منظومة من سبع طبقات من الخداع تعمل في وقت واحد. الطبقة الأولى كانت الخداع الزمني الطويل، فبين عامي 1971 و1973 نفذت القيادة المصرية اثنتين وعشرين مناورة وتعبئة كبرى بنفس تسلسل الحرب الحقيقية، استدعاء احتياطي وحشد دبابات ونصب كباري ثم تسريح. في البداية كانت إسرائيل ترد بإعلان التعبئة العامة بتكلفة عشرة ملايين دولار لكل مرة، ثم مع التكرار بدأت تصنف التحركات كمناورات روتينية ووضعت قاعدة ذهبية في استخباراتها أن الجيش المصري يحشد ولا يهاجم، وسميت هذه الظاهرة في التحقيقات الإسرائيلية بعد الحرب بالفكرة المسبقة الثابتة التي تمنع رؤية الواقع. وعندما بدأ الحشد الحقيقي في السابع والعشرين من سبتمبر 1973 تم تفسيره على أنه المناورة الثالثة والعشرون.
أما الطبقة الثانية فكانت الخداع اللوجستي، فكيف تنقل مائة ألف جندي وألفاً وخمسمائة دبابة وآلاف الأطنان من الذخيرة إلى ضفة القناة أمام أقمار التجسس الأمريكية التي تمر مرتين يومياً. الحل كان الإخفاء داخل النشاط المدني، فنقلت خراطيم المياه التي ستفتح الساتر الترابي لخط بارليف على أنها معدات شركات مقاولات للاستصلاح الزراعي، ونقلت الذخيرة في عربات قطار مكتوب عليها صوامع قمح وشاحنات مواد غذائية، وبنيت مخازن قريبة من الجبهة على أنها مخازن إسمنت. وعلى طول القناة كان الجنود يلعبون كرة القدم ويصطادون السمك أمام نقاط المراقبة الإسرائيلية، وتم تسريب إشارات لاسلكية غير مشفرة متعمدة يشتكي فيها جنود من أعطال ونقص قطع غيار لتلتقطها وحدة التنصت الإسرائيلية كدليل على انخفاض الجاهزية.
وكانت الطبقة الثالثة هي الخداع السياسي والدبلوماسي لإقناع تل أبيب وواشنطن بأن القاهرة تراهن على السياسة، ففي الثامن والعشرين من سبتمبر أعلنت وزارة الحربية تسريح عشرين ألف جندي ونشر الخبر في الصحف، وفي الثاني من أكتوبر أعلنت فتح باب العمرة لضباط القوات المسلحة وقرعتها في السابع من أكتوبر، وأعلنت عن زيارات لوزراء مدنيين إلى ليبيا والعراق في نفس الأسبوع، والأهم تم تحديد لقاء في نيويورك بين وزير الخارجية المصري ووزير الخارجية الأمريكي يوم السادس من أكتوبر نفسه لمناقشة مبادرة سياسية، وكان أعضاء الوفد الدبلوماسي أنفسهم لا يعلمون بالحرب حتى تبدو تصرفاتهم طبيعية.
ثم جاءت الطبقة الرابعة وهي الخداع الإعلامي، فركزت الصحف لشهور على الأزمة الاقتصادية وطوابير الخبز ونقص قطع الغيار، وكتب كتاب كبار مقالات عن استحالة الحرب في ظل التفوق الجوي الإسرائيلي، وفي صباح السادس من أكتوبر نشرت الأهرام خبر استقبال الرئيس لوزراء وخبر ارتفاع أسعار الطماطم وبرنامج زيارة وفد عسكري سعودي في الثامن من أكتوبر، واستمرت مباريات الدوري العام وكان هناك مباراة غزل المحلة والطيران عصر يوم الحرب نفسه.
أما الطبقة الخامسة فكانت اختيار التوقيت المركب الذي جمع ثلاث مفاجآت في توقيت واحد، فالساعة الثانية ظهراً توقيت غير عسكري على الإطلاق، فكل العقائد تفضل الهجوم فجراً، لكن الهجوم ظهراً جعل الشمس في وجه الطيران الإسرائيلي القادم من الشرق في عيون طياريه. وشهر رمضان، العاشر من رمضان، حيث كان الافتراض السائد أن الجيش الصائم في حرارة خمس وثلاثين درجة لا يمكن أن يهاجم. ويوم الغفران، أقدس يوم في التقويم اليهودي، تصوم فيه إسرائيل خمساً وعشرين ساعة وتتوقف فيه المواصلات والإذاعة والتلفزيون والمطارات، واستدعاء الاحتياطي الذي يمثل سبعين في المائة من الجيش الإسرائيلي في هذا اليوم يحتاج إلى مكبرات صوت في الشوارع والذهاب إلى المعابد، وهو ما أخر التعبئة من أربع وعشرين ساعة إلى اثنتين وسبعين ساعة.
وكانت الطبقة السادسة هي الخداع التقني للتعامل مع التفوق الجوي الإسرائيلي المكون من أربعمائة وخمسين طائرة حديثة. فبدلاً من منافستها في الجو، تم إلغاء دورها بحائط صواريخ أرض جو متحرك نصب على طول القناة خلال شهور سابقة تحت غطاء مناورات دفاع جوي، فمنع الطيران الإسرائيلي من الاقتراب لمسافة خمسة عشر كيلومتراً شرق القناة في الأيام الأولى، وهي المسافة التي احتاجها المشاة لعبور القناة.
أما الطبقة السابعة والأخيرة فكانت السرية المتدرجة لمنع أي تسريب، فالرئيسان السادات وحافظ الأسد ووزير الحربية أحمد إسماعيل فقط يعلمون الموعد قبل أسبوعين، وقادة الجيوش قبل خمسة أيام، وقادة الفرق قبل ثمان وأربعين ساعة، وقادة الكتائب قبل أربع وعشرين ساعة، والجنود قبل ست ساعات فقط عندما وزعت عليهم الخطة بخط اليد مع مصحف صغير وكلمة السر بدر تيمناً بغزوة بدر في رمضان، وبقيت أجهزة اللاسلكي صامتة تماماً حتى الساعة الثانية ظهراً.
وبهذا التكامل تحقق ما يسمى في علم الاستخبارات بالمفاجأة الاستراتيجية الكاملة، ففي الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر السادس من أكتوبر عبرت مائتان وعشرون طائرة مصرية على ارتفاع منخفض جداً قناة السويس وقصفت المطارات ومراكز القيادة في سيناء، وفي نفس اللحظة فتح ألفا مدفع نيرانهم على خط بارليف بمعدل عشرة آلاف وخمسمائة قذيفة في الدقيقة الأولى، وبدأ ثمانية آلاف جندي عبور القناة بقوارب مطاطية. وتشير التحقيقات الإسرائيلية إلى أن أول بلاغ حقيقي عن الحرب وصل إلى رئيسة الوزراء الإسرائيلية قبل الهجوم بأربع ساعات فقط، لكنه تم تجاهله لأنه اعتبر مناورة أخرى. لهذا لا تزال هذه العملية تدرس حتى اليوم في الكليات الحربية البريطانية والأمريكية والروسية كنموذج متكامل للخداع الاستراتيجي متعدد المستويات، ولهذا يمكن القول إنها أذكى عملية حربية عرفها التاريخ حتى الآن.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com



