حين تُقاتل الدولة بلا بنادق: تشريح الحرب الناعمة في السودان وخرائط إنهاك المستقبل

بقلم الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
في لحظة ما من تاريخ الشعوب تصبح البندقية هي العلامة الأقل دقة على وجود الحرب. ذلك أن أشد الحروب فتكاً هي تلك التي لا يُسمع فيها دوي المدافع ولا تُرى فيها خطوط التماس، بل تُخاض في تفاصيل الحياة اليومية وتستهدف مناعة المجتمع قبل أن تستهدف جغرافيته. السودان اليوم يخوض حربين في آن واحد. الأولى مكشوفة تحدثها الطلقات والمدافع وتُبث صورها على الشاشات.
الثانية صامتة ناعمة تتسلل إلى البيوت والمدارس والأسواق والذاكرة الجمعية، ولا تحتاج إلى إعلان تعبئة ولا إلى بيانات عسكرية. هذه الحرب الثانية هي الأخطر لأنها لا تسعى إلى احتلال الأرض بقدر ما تسعى إلى احتلال الإرادة، ولا تهدف إلى كسر الجيش بقدر ما تهدف إلى كسر قدرة المجتمع على النهوض بعد أن تصمت المدافع.
إنها حرب استنزاف طويلة النفس تستثمر في الزمن والتراكم واليأس، وتجعل من كل مواطن جبهة قتال دون أن يدري.
ما يجري في السودان منذ أبريل ألفين وثلاثة وعشرين ليس مجرد صراع مسلح، بل هو نموذج مكتمل لما يسمى في أدبيات الأمن القومي بإنهاك الدولة.
وهو تكتيك يقوم على تحويل الحياة الطبيعية إلى عبء يومي ثقيل حتى يصبح بقاء الإنسان نفسه انتصاراً مؤقتاً. واللافت أن هذا الإنهاك ليس عفوياً ولا محلياً خالصاً، فتفكيك السودان يخدم مشاريع إعادة هندسة البحر الأحمر وممرات الغذاء والطاقة العالمية، ويخلق فراغاً استراتيجياً تملؤه شركات أمنية وشبكات موارد عابرة للحدود تجد في الدولة المنهكة سوقاً مفتوحة بلا سيادة. لذلك فإن فهم الحرب الناعمة يقتضي ربط الداخل بالخارج، وقراءة ما يحدث في الأحياء بوصفه امتداداً لما يُرسم في غرف التفاوض البعيدة.
الحرب الناعمة في السودان بدأت من أضعف الحلقات وأكثرها حيوية في آن واحد، وهي الشباب. الشباب هم عماد أي مشروع للتعافي وإعادة البناء، ولذلك كان استهدافهم أولوية استراتيجية. تتقاطع تقارير ميدانية موثقة صادرة عن منظمات محلية ودولية على أن عمليات تجنيد ممنهج تجري في دارفور وكردفان وأطراف الخرطوم، وتطال قُصراً وشباباً من الجنسين عبر الإغراء المالي المباشر أو عبر وعود بالحماية في بيئة انعدم فيها الأمان.
التوازي مع ذلك كان انتشار غير مسبوق لمخدرات الآيس والحبوب المخدرة، وهو ما رصدته مراكز علاج الإدمان في بورتسودان وكسلا التي سجلت قفزات في أعداد المتعاطين منذ عام ألفين وثلاثة وعشرين. هذا الانتشار ليس عفوياً في سياق الحرب، بل هو أداة تفكيك للبنية النفسية والاجتماعية للشباب، وتعطيل متعمد لقدرتهم على التعلم والعمل والمقاومة. الضلع الثالث في مثلث استهداف الشباب هو التضليل الإعلامي المنظم.
آلاف الصفحات والحسابات على فيسبوك وتيك توك وواتساب تعمل على مدار الساعة لبث خطاب الكراهية القبلية والمناطقية، وتضخيم الشائعات، وتزييف الوقائع، بهدف واحد هو تدمير ما تبقى من ثقة بين المكونات الاجتماعية السودانية.
والخطر الأعمق أن خوارزميات التوصية في هذه المنصات تحولت إلى سلاح بحد ذاتها، فهي تضخم وصول خطاب الكراهية بمعدل ستة أضعاف مقارنة بالخطاب الجامع، بينما يؤدي قطع الإنترنت المتكرر إلى خنق الرواية الوطنية التوثيقية وإتاحة المجال لحسابات مبرمجة تبث من الخارج لتملأ الفراغ. النتيجة المباشرة هي دفع الشباب إلى خيارين لا ثالث لهما: الهجرة بأي ثمن، أو الانخراط في دوامة العنف كوسيلة للبقاء.
المحور الثاني للحرب الناعمة هو الاقتصاد، وهو القلب الذي إذا توقف مات الجسد كله. العملة الوطنية فقدت أكثر من ثمانين بالمئة من قيمتها منذ اندلاع القتال، وانهار النظام المصرفي بشكل شبه كامل، وتوقفت التحويلات الرسمية، فنشأت سوق موازية للعملة يديرها وسطاء غير رسميين يتحكمون في سعر الصرف وفي حياة الناس.
القطاع الإنتاجي تلقى الضربة القاضية بعد أن تعرضت مشاريع الجزيرة وسنار الزراعية للنهب والتعطيل، ودُمرت المناطق الصناعية في الخرطوم التي كانت تنتج الغذاء والدواء ومواد البناء. هذا التدمير الممنهج لسلاسل الإمداد رفع أسعار السلع الأساسية بأكثر من أربعمئة بالمئة في مدن كثيرة، وجعل الحصول على رغيف الخبز معركة يومية. الحدود السودانية الممتدة مع سبع دول تحولت إلى شرايين مفتوحة لتهريب الذهب والمحاصيل والوقود، فحُرمت خزينة الدولة من مليارات الدولارات التي كانت يمكن أن تمول الاستيراد وتخفف الأزمة. إن تدمير الاقتصاد لا يتم بالقصف فقط، بل بخنق الشرايين التي تغذي الحياة، وهذا ما يحدث بدقة الآن.
المحور الثالث هو البنية التحتية والخدمات، أي كل ما يجعل الحياة ممكنة. محطات الكهرباء والمياه في الخرطوم وأم درمان تتعرض لاستهداف متكرر يخرجها عن الخدمة لأيام وأسابيع، فيتعطل كل شيء من المستشفيات إلى المخابز إلى مضخات المياه. منظمة الصحة العالمية وثقت أن أكثر من سبعين بالمئة من المستشفيات في مناطق النزاع خرجت عن الخدمة.
والمدارس والجامعات مغلقة منذ عامين كاملين. هذا يعني أن السودان أمام فجوة جيل كاملة في التعليم، وأمام ملايين الأطفال الذين سيكبرون دون أن يعرفوا طريقاً إلى الفصل.
الأخطر من ذلك هو استهداف الرمزية الثقافية والذاكرة الوطنية. تدمير المتاحف والمكتبات والأرشيف القومي في الخرطوم ليس عملاً عشوائياً، بل هو محاولة لمحو الهوية الجماعية وقطع صلة الأجيال القادمة بماضيها. عندما يُدمر الأرشيف يُدمر الدليل على الملكية والتاريخ والحقوق، ويصبح إعادة بناء الدولة أصعب من بنائها لأول مرة.
الآلية التي تجمع هذه المحاور الثلاثة هي آلية الإنهاك التراكمي. لا توجد معركة فاصلة ولا ساعة صفر، بل هناك تآكل بطيء ومنهجي لكل مقومات الصمود. المواطن لا يواجه عدواً واضحاً في هذه الحرب، بل يواجه انعدام الخبز وانقطاع الماء وتوقف الدواء وضياع المستقبل. هذا هو الجانب الخفي والمرعب في الحرب الناعمة، فهي لا تمنحك شرف المواجهة، بل تتركك لتتآكل من الداخل حتى تفقد الأمل في الغد. والهدف الأبعد من الإنهاك المادي هو صناعة ما يسمى في علم النفس الاجتماعي بالعجز المكتسب. إن تكرار انقطاع الكهرباء وانهيار العملة وتوقف المدارس يبرمج عقل المواطن على قناعة راسخة بأن لا شيء سيتحسن، فيتوقف عن الادخار والاستثمار والإنجاب والمقاومة. هنا يُقتل الأفق الزمني للمجتمع، ويُصاب بما يمكن تسميته موت المستقبل، وهو أخطر من موت الأفراد لأن الأمم التي تفقد قدرتها على تخيل غدٍ أفضل تموت قبل أن تُدفن. الهدف النهائي ليس السيطرة على الأرض بعد الحرب، بل جعل العودة إلى الحياة الطبيعية مستحيلة حتى لو توقف القتال غداً. الهدف هو كسر إرادة المجتمع في المقاومة وفي إعادة البناء، ودفعه إلى القبول بأي تسوية مهما كانت شروطها.
إن الانتصار في الحرب العسكرية لا يعني شيئاً إذا خسرنا الحرب الناعمة. التحدي الحقيقي أمام السودانيين اليوم ليس فقط إسكات البنادق، بل إفشال مشروع الإنهاك الذي يعمل ليل نهار. وهذا يتطلب وعياً جمعياً بأن العدو لم يعد على الحدود فقط، بل في الإشاعة التي ننشرها دون تحقق، وفي المخدر الذي نسمح بمروره، وفي المدرسة التي نتركها مغلقة، وفي التاريخ الذي نفرط فيه.
الصمود الحقيقي يبدأ حين يدرك كل مواطن أنه جندي في معركة الوعي والبناء، وأن حماية طفل من التجنيد لا تقل أهمية عن حماية مدينة من السقوط. ولأن انتظار الحل من الأعلى قد يطول، فإن بروتوكول الصمود يبدأ من الأسفل بثلاثة مستويات متزامنة. المستوى الأول هو صمود الأسرة عبر تبني التعليم المنزلي ولو ساعة يومياً، وعبر دوائر التكافل الصغيرة التي تضمن الخبز والدواء.
المستوى الثاني هو صمود الحي عبر تشكيل لجان خدمات طوعية تحمي مضخات المياه ومحولات الكهرباء وترمم المدارس بما تيسر. المستوى الثالث هو صمود الذاكرة عبر أرشفة رقمية لامركزية للصور والوثائق العائلية ووثائق الملكية، قبل أن تضيع في حريق أو نهب قادم.
السودان لن يُهزم بالرصاص وحده، لكنه قد يُهزم باليأس. والمهمة الأقدس الآن هي صناعة الأمل في خضم الخراب، لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها ومستقبلها لا تحتاج إلى من يحتلها، فهي تسقط من تلقاء نفسها.



